أخبار مصر

إدوار الخراط صانع الحداثة الكتابية.. المهم الحرية الكاملة

s3200926121358

أن تعيش فى زمن نجيب محفوظ وتصيبك حرفة الأدب فذلك أمر جلل، فإما أن تسقط فى غواية عميد الرواية، وإما أن تسلك طريقا آخر يصل بك للمعرفة من سبل جديدة.

“لا أؤمن بالفكرة التى تقول بأن هناك شيئا يجب فعله أو أشياء لا يجب فعلها.. فى الفن المعايير مختلفة.. ويجب ترك المسألة لحرية الفنان أو الأديب أو الكاتب.. حتى يستطيع أن يبدع ما يتفق مع ميوله الشخصية ومع احتياجات المجتمع.. فالمطلوب من الفنان والمبدع أن يكون سابقا بخطوة على السائد والمألوف أو الموجود.. وإلا فلن تكون لإبداعاته أية قيمة، قيمة الفنان تكمن فى أن يكون فى الطليعة باستمرار.. أن يكون مبشرا بشىء أكثر تطورا” هكذا يختصر الكاتب الكبير إدوار الخراط فلسفته فى الكتابة ويوضح سبيله التى اتخذها والغاية التى يرنو إليها.

يقول “الخراط” المسألة لا ترتبط بما يجب فعله أو ما لا يجب فعله، بل هى الحرية الكاملة، أما فكرة العمق فى التناول لست من أنصار الحنين للماضى.. فالإبداع متجدد، وجدير بالتقدير والنقد والاحترام أيضا. المسألة لا تقتصر على تمجيد ما كان بل تقدير ما هو كائن واستشراف ما سوف يكون.

ومن هنا تكمن قيمة إدوار الخراط فى أنه حطم الجاهز والمتاح، ونظر إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ فوجده متحققا قد امتلك ناصية لا يمكن لأحد أن يجاريه فيها، فقرر أن تكون له بوابة أخرى فى الكتابة، وعلم أنه سيكون له تلاميذ وسيفتح بابا كبيرا للحداثة فى الكتابة الإبداعية.

ربما ما تقدم يجيب عن السؤال الملح: أين تكن قيمة إدوار الخراط؟

إدوار الخراط المولود بالإسكندرية فى 16 مارس عام 1926 فى عائلة قبطية أصلها من الصعيد، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1946م، عمل فى مخازن البحرية البريطانية فى الكبارى بالإسكندرية، ثم موظفا فى البنك الأهلى بالإسكندرية، عمل بعدها موظفا بشركة التأمين الأهلية المصرية عام 1955م، ثم مترجما بالسفارة الرومانية بالقاهرة.

شارك إدوار الخراط فى الحركة الوطنية الثورية فى الإسكندرية عام 1946 واعتقل فى 15 مايو 1948م فى معتقلى أبو قير والطور، عمل فى منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية فى منظمة الكتاب الإفريقيين والآسيويين من 1959 إلى 1983م. تفرغ بعد ذلك للكتابة فى القصة القصيرة والنقد الأدبى والترجمة، فاز بجائزة الدولة لمجموعة قصصه (ساعات الكبرياء) فى 1972م.

يمثل إدوار الخراط تيارًا يرفض الواقعية الاجتماعية كما جسّدها نجيب محفوظ فى الخمسينات مثلا ولا يرى من حقيقة إلا حقيقة الذات ويرجّح الرؤية الداخلية، وهو أول من نظّر للـ”حساسية الجديدة” فى مصر بعد 1967م.

اعتبرت أول مجموعة قصصية له (الحيطان العالية) 1959 منعطفًا حاسمًا فى القصة العربية إذ ابتعد عن الواقعية السائدة آنذاك وركّز اهتمامه على وصف خفايا الأرواح المعرَّضة للخيبة واليأس، ثم أكدت مجموعته الثانية (ساعات الكبرياء) هذه النزعة إلى رسم شخوص تتخبط فى عالم كله ظلم واضطهاد وفساد.

أما روايته الأولى (رامة والتِنِّين) 1980 فشكّلت حدثًا أدبيًا من الطراز الأول، تبدو على شكل حوار بين رجل وامرأة تختلط فيها عناصر أسطورية ورمزية فرعونية ويونانية وإسلامية. ثم أعاد الخراط الكرة بـ(الزمان الآخر) 1985 وبعدد من القصص والروايات (وإن صعب تصنيف هذه النصوص) متحررة من اللاعتبارات الإيديولوجية التى كانت سائدة من قبل.

“كل السابقين عليه اهتموا بماذا يقال، لكن الخراط وحده اهتم بكيف يقال” هكذا يرى تلاميذ إدوار الخراط والذين هم كتاب كبار الآن دوره الذى فعله فيهم، وتقديمه لهم وتشجيعه لأعمالهم ليرسخ لجيل السبعينيات وحدث بعد ذلك من تعدد للأساليب الكتابية.