الحفاظ علي التراث الصوفي

مقالات

تنزيل

189717_497386100292182_268730637_n

  بقلم/ د. عصام سري 

       نائب شيخ عموم السادة الرفاعية

في محاولات عديدة من قبل بعض القائمين علي وزارة الأثار تمت وتتم إجراءات من شانها هدم الصوفية والتصوف في مصر عن طريق إستصدار قرارات بدون وجة حق بالأستيلاء علي الجوامع الخاصة بالطرق الصوفية بدعوي أنها من الأثار المسجلة لتحويلها إلي متاحف ومعارض للأثار والقضاء علي الفكر الصوفي الوسطي الذي ينتمي إلية الملايين من أبناء الشعب المصري.

وأحد الأمثلة الصارخة لذلك هو محاولة القائمين علي منطقة أثار السلطان حسن والرفاعي من وزارة الاثار إستصدار قرارات للأستيلاء علي الجامع الرفاعي وطرد الطريقة الرفاعية أكبر الطرق الصوفية في جمهورية مصر العربية من دون وجة حق وضاربين بعرض الحائط الحقوق التي ضمنتها الوقفية التي بني علي أساسها الجامع الرفاعي والقضاء الذي ينظر المسألة والتاريخ الطويل للطريقة الرفاعية بالجامع الرفاعي منذ بناؤة. ووصل الأمر بأن تم التشهير بالطريقة الرفاعية في الأعلام وأتهامها بالأرهاب والفساد.

وحيث أن وزارة الأثار مع وزارة الثقافة من المفترض فيهما الحفاظ علي التراث المصري وحماية حق الاجيال القادمة في معرفة تراثهم وتاريخهم فكان لابد من توضيح أن الطرق الصوفية في مصر وخاصة الطريقة الرفاعية عمرها أكثر من 800 عام وأن التراث الصوفي هو من أهم القواعد التي يقوم عليها المجتمع المصري ومكون كبير في ثقافتة. وأن دور كلا الوزارتين هو حماية التصوف لامحاربتة.

الصوفية والتراث: الصوفية أو التصوف وفق الرؤية الإسلامية ليست مذهبًا، وإنما هي أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما إهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن التصوف إهتم بتحقيق مقام الإحسان وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله عن طريق الاجتهاد في العبادات وإجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة. وكما يعلم الجميع أن الطرق الصوفية هي أحد مكونات المجتمع المصري والتي تنتشر في ربوع البلاد بحيث لايكاد يخلو بيت علي أرض الكنانة من إما منتمي للطرق الصوفية أو محب لها. والتاريخ المصري خاصة والعربي عامة، بة من النماذج الكثير من أبناء الطرق الصوفية الذين ساهموا إسهاماً عظيماً في تقدم المجتمع وإزدهارة ناهيك عن دورهم الشهير في نشر الأسلام خارج نطاق العالم العربي، ومنهم علي سبيل المثال الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ عبد الحليم محمود والأمام ابو حامد الغزالي والترمذي وزاهد مصر ذو النون المصري ورابعة العدوية ومن القادة المشهورين صلاح الدين الأيوبي والسلطان محمد الفاتح والأمير عبد القادرالجزائري وعمر المختار وعز الدين القسام وغيرهم. وبعيداً عن المنظور الديني لموضوع التصوف علينا أن نسأل نفسنا هل يمكن إعتبار التصوف جزءاً من التراث الأنساني المفيد للأنسانية بحيث يكون من مسئولياتنا الحفاظ علية؟ وللأجابة علي هذا السؤال علينا أن نتعرف علي مفهوم التراث وعلي خصائص ما يندرج تحت هذا المسمي ثم نسأل أنفسنا هل يستحق هذا التراث الحفاظ علية أم لا بتقييم فوائدة للمجتمع.

كلمة التراث في معاجم اللغة العربية وفي الأدب العلمي العربي هو ما ورثناه عن الأجداد وأصل الكلمة من ورث فيقول ابن منظور في لسان العرب المحيط، (ورثه ماله ومجده) وقال الله تعالى أخباراً عن زكريا ودعاءه إياه (هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب) أي يبقى بعدي فيصير له ميراثي ويقال (اورثه الشيء ابوه) أو (ورثه بعضا عن بعض قدما) أو اورثه (كابراً عن كابر) وروي عن النبي محمد صلي اللة علية وسلم أنه قال (اثبتوا على مشاعركم هذه، فأنكم على أرث من ارث ابراهيم.

وعلية تم إعتبار أن كلمة (تراث) تشمل كل ما تركه الأوائل من مؤلفات لغوية وفروعها والعلوم منها الطبية والفلكية والصناعية وغيرها وأبنية وقلاع وفنون من رسم وموسيقى وغناء ورقص وغيرها. وأفرزت محاولات وضع تعريف ثابت للتراث عن الأتي:

• التعريف الذي قدمه (قيلبس) وهو أحد علماء الآثار والتراث، حيث يقول : أن التراث عبارة عن إستمرارية ثقافية على نطاق واسع في مجالي الزمان والمكان تتحدد على أساس التشكيلات المستمرة في الثقافة “الكلية” وهي تشمل فترة زمنية طويلة نسبياً وحيزاً مكانياً متفاوتاً نوعياً ولكنه متميز بيئيا.

• والعالم الأمريكي (هيرسكو فيتس) عالم الفولكلور الشهير (1895 ـ 1963) يرى أن التراث مرادف للثقافة، أي أنه جزء مهم من ثقافة الشعوب وليس منفصلا عنه.

• أما ماك جريجور ـ فهو يعرف التراث بأنه من الخصائص البشرية العميقة الجذور التي تتناقل من جيل الى آخر.

• ويرى جوجن أن التراث هو: أسلوب متميز من أساليب الحياة، ينعكس في مختلف جوانب الثقافة وربما يمتد خلال فترة زمنية معينة وتظهر عليه التغييرات الثقافية الداخلية العادية ولكنه يتميز طوال تلك الفترة بوحدة أساسية مستمرة. وأنواع التراث كثيرة منها : التراث الحضاري والتراث القومي والتراث الشعبي والتراث الأجتماعي والتراث النشأوي والتراث الأدبي والتراث المادي والتراث غير المادي أو اللامادي وغيرها من التصنيفات. وقد وضعت إتفاقية صون التراث للأمم المتحدة تعريفاً للتراث غير المادي علي أنة مجمل الإبداعات الثقافية، التقليدية والشعبية، المنبثقة عن جماعة ما والمنقولة عبر التقاليد، ومنها مثلاً اللغات والقصص والحكايات والموسيقى والرقص وفنون الرياضة القتالية والمهرجانات والطب وحتى فن الطهي وغيرة من الانشطة.

وهو التعريف الذي ينطبق تماماً علي الممارسات الصوفية من حلقات الذكر وموائد الإطعام (الخدمة) والموالد والليالي الإحتفالية إلخ. وفي 17 اكتوبر 2003م إعتمد المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو- المنعقد في باريس إتفاقية أممية بشأن حماية التراث الثقافي غير المادي والتي تم تعريف التراث اللامادي بها علي إنة: الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من ألات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية التي تعتبرها الجماعات والمجموعات وأحيانا ً الأفراد جزءا من ثراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيال عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو ينمي لديها الأحساس بهويتها والشعور بإستمراريتها، ويعزز من إحترام التنوع الثقافي والقدرة الأبداعية للبشر. وكما نري أيضاً من هذا التعريف مدي إنطباقة علي الحياة الصوفية بكل طقوسها. وعلى ضوء التعريف الوارد في الفقرة السابقة وبتطبيق التعريف علي الممارسات والطقوس الصوفية يتجلى إنطباق التعريف بصفة خاصة في المجالات التالية:

• التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن التراث الثقافي غير المادي؛ وهي الأوراد والأحزاب والأشعار إلي أخرة مما يشتهر بة الصوفية علي مدار العصور.

• فنون وتقاليد أداء العروض؛ مثل تجمعات الحضرات وحلقات الذكر والتمايل المصاحي للذكر.

• الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات؛ مثل الموالد والليالي.

• المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون؛ مثل الخلوة. وقد أنضمت جمهورية مصر العربية لهذة الأتفاقية وإلتزمت باتخاذ التدابير الرامية إلى ضمان إستدامة التراث الثقافي غير المادي، بما في ذلك تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله، لا سيما عن طريق التعليم النظامي وغير النظامي، وإحياء مختلف جوانب هذا التراث. كما ألتزمت جمهورية مصر العربية في إطار أنشطتها الرامية إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، إلى ضمان أوسع مشاركة ممكنة للجماعات، والمجموعات، وأحيانا للأفراد، الذين يبدعون هذا التراث ويحافظون عليه وينقلونه، وضمان إشراكهم بنشاط في إدارته. (المادة 15 من الإتفاقية). وجاء الدستور المصري الجديد فنص علي ” تراث مصر الحضارى والثقافى، المادى والمعنوى، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة، والقبطية، والأسلامية، ثروة قومية وإنسانية، تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته، وكذا الرصيد الثقافى المعاصر المعمارى والأدبى والفنى بمختلف تنوعاته، والأعتداء على أى من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون. وتولى الدولة اهتمامًا خاصًا بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية فى مصر.”

ومما سبق نري مدي إنطباق التعاريف والشروط علي الحياة الصوفية بكل طقوسها ومشتملاتها مما يؤكد ضرورة أن تبذل الدولة، متمثلة في وزارة الأثار ووزارة الثقافة، كامل طاقتها في الحفاظ علي التراث الصوفي ودعمة وعدم إتخاذ أي إجراءات من شأنها المساس بهذا التراث.

مثال لأحد تصريحات مسئولي وزارة الأثار والتي توضح الغرض من الأستيلاء علي الجامع الرفاعي لتحويلة إلي متحف ومعارض للأثار: مدير السلطان حسن والرفاعي:كانت البداية من المنطقة نظراً لإطلاع رئيس القطاع على الخطة المقدمة لتطوير المنطقة لتكون متحفاً مفتوحاً يعج بالأنشطة الأثرية والمعارض المؤقتة,وكذا الأنشطة التراثية والثقافية المتمثلة فى قاعات العرض المتغير” قاعة السبيل,القاعة الملكية “وكذا قاعات الندوات متمثلة فى ” قاعة المدرسة المالكية ” ومشروع مكتبة التراث المصرى الإسلامى وسوق المنتجات التراثية .

هذا المقال لايعبر سوى عن رأي كاتبه كما أنه لا يعبر بالضرورة عن جريدة المجالس