مقالات

خاطرة عالقة فى ذهنى

بقلم / أحمد عويضة

هذه خواطر صغيرة -أرجو استمرارها- نبعت عن علمٍ وتطبيق أحسن الله فيه صناعتي على سابغ نعمه في ما منَّ به علينا من شرعهِ النبيل.

حينما تكون صبيًّا فإن الفوضى والشتات وذهاب العقل واستكراه الالتزام بالآداب والأخلاق صنيعك المُلاصق، ما أن تنضج وتكبر نفسك حتى ترنو لتذوق لذة تهذيب النفس وتربيتها على معالِي الخصال والأمور ساعيًا في ذلك لمنظومة أصيلة تلقف منها معالم ذاك فتنال البركة وجيِّد المراد.


ولا ريب أنك تذكر جُلَّاس القصور والطبقة العريقة من الملوك يأتون بمعلمي الآداب و “الأتيكيت” ليُدرِّبوهم من مستحق اللفظ إلى موجب النبذ في كلامهم وطعامهم ولباسهم ونفوسهم وصحبة أهاليهم ورعيتهم.. وقد جربتُ تلك الفنون وعكفتُ على أدبيّات كتب القوم -الغرب- في اللباقة وجياد الألفاظ والسلوكيات ولا أنكرُ استفادتي منها غير أنها لا تحمل روحنا ولمْ تُوجد لتناسب طِباعنا، فما بالك بمسلم عاشقٍ لخصوصية أصوله وجذوره وهائمٍ بآدابٍ فيها روح الإله لا وثن المظاهر والتقليد؟
فكان..
ومن بين تلك الآداب الجليلة الخاصة بمعلم الناس الخير، أن يبتدئَ يومه بالتطهر والوضوء ثم التزين بأحسن الثياب ولا يخبرنا واحد عن إرادة زهد الثياب فكما ينقل عن الإمام علي كرم الله وجهه:

أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها … زين الرجال بها تعز وتكرم
دع التواضع في الثياب تحريًا … فالله يعلم ما تجن وتكتم
فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة … عند الإله وأنت عبد مجرم
وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن … تخشى الإله وتتقي ما يحرم

ثم يعلم صلاة الاستخارة ويتحرى لها موعدًا مناسبًا من يومه لسؤال الله أن يجري على لسانه الخير.

فـ “إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل، أو أزِل أو أزَلّ، أو أظلِمَ أو أظلَم، أو أجهَلَ أو يُجهل علي، عزّ جارك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك) . ثم يقول: (بسم الله وبالله، حسبي الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني وأدر الحق على لساني) ، ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس. فإذا وصل إليه سلم على من حضر وصلى ركعتين، إن لم يكن وقت كراهة، فإن كان مسجدًا تأكدت مطلقًا، ثم يدعو الله تعالى بالتوفيق والإعانة والعصمة، ويجلس مُستقبلًا القبلة لحديث أكرم المجالس ما استقبل القبلة. رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط، عن ابن عمر مرفوعًا والطبراني في الكبير عن ابن عباس نحوه مرفوعًا، ويكون بسكينة، ووقار، وتواضع، وخشوع، متربعًا، أو غير ذلك مما لا يكره من الجلسات، ولا يجلس مقعيًا، ولا مستفزًّا، ولا رافعًا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادًّا رجليه أو إحداهما من غير عذر، ولا متكئًا على يديه إلى جنبه أو وراء ظهره، وليصن بدنه عن الزحف، والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك، فإنه يقلل الهيبة، ويسقط الحشمة، كما قيل من مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به. ولا يدرس في وقت جوعه، أو عطشه، أو همه، أو غضبه، أو نعاسه، أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم، أو حره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر