ثقافة و فن

إطلالة على كتاب مواويل وليالي للكاتب العراقي حسين الجاف

received_1075175965886660

بقلم / عدي العبادي “العراق”

تمتد تجربة الناقد واللغوي والشاعر العراقي الكردي حسين الجاف الى مرحلة السبعينات اي ما يعرف بالعصر الذهبي الذي برز فيه جميل من عمالقة الابداع العربي و كان اشغال حيز في تلك المرحلة يعد مغامرة فقد حدثني احد الكاتب القدماء قائلا كنا نخجل ان نرسل موضوع او قصيدة الى الجريدة و ينشر و جنبه قصائد لشعراء كبار امثال بدر شاكر السياب او نازك الملائكة لا يمكن لإعمالنا ان توضع مقارنة مع جيل من العمالقة لكن حسين الجاف استطاع ان يقتحم هذا العالم فكان أول ولوجه له في مضمار الادب من خلال ديوانه (أباطيل) استمر في تجربته الابداعية حتى اليوم ليصل منجزه الى ثمانية عشر كتاب متنوعات في حقل الادب من هذه الكنوز كاتبه الذي عنونه ( مواويل وليالي ) و من العنوان الذي هو عتبة الدخول الى عالم النص لكشف مدلولاته .

نجد الكاتب وضع بناء نصي متصل حيث تشير المواويل الى الطرب كما هو معروف و الليالي على السهر لتتوحد فكر العمل في داخل الملتقي الذي ينتهي اليه الخطاب اي المواويل و الليالي و في متن الكاتب علامة فارق حيت انه عبارة عن مواقف و نوادر و طرائف لشخصيات نخبوية عاصرها أو جايلها أو شاءت الظروف أن يختلط بها الكاتب وهم من مختلط الأوساط الثقافية و الاجتماعية و السياسية العراقية طوال عقود من حياته لكن الكاتب يعتبرها نكت بل هي نوادر حقيقية لشخصيات معروفة جمعها و قدمها بطريقة فنية و كانت اغلبها لشخصيات ادبية شعراء و علماء يقول في احد الطرف .
في زمن ما اوئل الخمسينيات فاضت منطقة الاعظمية نتيجة هطول امطار غزيرة جرفت الزرع و الضرع و نظرا لانعدام و سائل التصريف الصحي في وقتها للمياه الفائضة كانت المياه قد ارتفعت لاكثر من مترين فدخلت البيوت المنخفضة و تسبب في ألحاق الضرر البالغ ببنائها و محتوياتها .

و نظرا لارتفاع منسوب الماء في الشوارع تعذر بسبب ذالك عبور المارة و المستطرقين من هذا الجانب الى الجانب الاخر فستغل بعض الحمالين هذا الوضع ليكتسبوا منه من خلال نقل للمارة بين الجانبين .

و كان الشيخ العلامة امجد الزهاوي من سكان ذالك الحي و عند خروجه من داره حالة امر المياه الفائضة و شعر باستحالة العبور الى الجانب الاخر دون الاستعان بالحد الحمالين الكثيرين المنتشرين على جانبي الشارع فتقدم احدهم الى الشيخ الجليل عارض خدماته بقوله تفضل شيخنا اصعد على ظهري حتى اعبرك الى الجانب الاخر من الشارع وىوسط دهشة الشيخ و ربما استغرابه ايضا امتطى ظهر الحمال وسط غرابة المشهد كله و طرافة طلب الحمال الظريف منه ركب الشيخ ظهر الحمال اضطرار اتفاديا للبلل و اتساخ هندامه فما لو عبر الشارع على قدميه خائضا غمار مياه الامطار التي اكسبها الطمى و الغرين لون قرمزيا وبيدو ان الحمال الطريف كان من محبي النكتة وىالمواقف الهزيلة فقال للشيخ و هو يحمله على ظهره ضاحكا شوف شيخنا ثوابي و اوصلك على الطائر الميمون الى الجهة المقابلة فرد عليه الشيخ مازحا و كان انسانا فاضلا و عالما متواضعا جليل القدر رفيع المنزلة و من حبي الطرائف و الدعابة و هو يتلوا عليه اية من الذكر الحيكم ( الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقربين ) .
وعندما استشعر الحمال الفطن مكمن الهزل فيما ردده الشيخ من الاية المباركة وهو يمتطي ظهره مرتدين العمامة و الجبة وفي مشهد سريالي .
يفيض بالغرابة والطرافة رجل العالم شهير يكلل هامته جلال ووقار العلم ورفعة المنزلة في موقف غريب طريف غير عادي بالمرة ولما تلقي الحمال القوية البنية اشارة الممازحة الصادرة من لدن الشيخ الجليل بيت له في نفسه امرا ثم غابت الشيخ قائلا مولانا وانا ساكمل بقية الاية الكريمة واقول ( وانا الى ربنا لمنقلبون ) وعلى اثر ذالك نفض الحمال الشيخ الجليل من على ظهره طارحا اياه ارضا لغرق الرجل في لجه الماء المتصاعد لتبتل ملابسه و تتسخ وسط دهشت الشيخ من فعلة الحمال الظريف فضحك الشيخ بقوة .
هذه احد اشتغال الجاف التي وظفها و نلاحظ كيف انه وضع لمسته الفنية على الطرفة و سردها لنا بتشويق .

و قد ادخل استعارات حداثوية محول الموضوع الى لوحة فنية كما كان يعبر عن احاسيس شخصيات الحكاية و إبعاد ردود الأفعال عندهم من خلال رؤيته كون بدع في مجال السرد الفني فجعلنا داخل الحديث متعايشين للموقف انه عمل درامية و هو حدث حقيقي لكن حسين الجاف استطاع ان يرممه و يصوغ .

يقول الناقد الدكتور جابر عصفور رائد الحداثة في مصر الشاعر ليس مطالب بفكرة جديدة يمكن الاشتغال على الفكرة القديمة لكن عليه ان يقدمها بطريقة جديدة أي يبتكر لغة وهذه لا تكون لخير المبدع الذي يملك آليات بناء النص كخيال و الإبداع و هندسة المادة الادبية والقضية التي يتحدث عنها المبدع و الاحساس الذي يتفرد به عن سوها و كل هذه العناصر اذا اجتمعت شكلت موضوع ناضج و اهم هذا العناصر الخيال الذي يجعل الكاتب يصور لنا المنتج الابداع بروعة.

و يعتبر الخيال عنصرا جماليا مهما في كل مادة إبداعية سواء قصة أم شعر أم رواية الخ واعتقد هو اهم جانب على اعتبار انه يميز المبدع عن سواه فمن يملك الخيال غير المبدع الذي يحوله ويطره في مادته الإبداعية و هناك مدخلات من الخيال هما الخيال المتعارف عليه مستهلك كل ادواته و خيال من بنات أفكار المبدع أي ما تسمه بالشطحات أي يخترع لنا خيال لا نعرفه كما يخترع لغة خاص تكون به و في ما مضى كان الشاعر مقيد ليس بالوزن و القافية بل حتى الخيال فلا يمكن ان يقول شيئاً منافياً للعقل و كانت الإمكانيات محدودة فالذي يعيش في الصحراء لا يستطيع ان يعبر عن الحضارة لأنه لا يملك روح التمدن والانسان المدني لا يقدر ان يصف ما في الصحراء لعدم معرفه بكل الجوانب ولكن في زمن التقدم اصبح الكاتب يملك أكثر من خلال الاطلاع بسبب الثورة المعلوماتية و نجد خصوبة و عمق الخيال في نقل الطرفة التي ابداع الجاف بتوصيلها للذائقة العامة.