غير مصنف

حجوا إلى قلوب الفقراء بقلم/الداعية.بهنسى سيف

كتب الداعية: بهنسي سيف. 

تكلم الجوهري صاحب الصِّحاح في اللغة عن الحج قائلاً: الحجُّ هو القصد، ورجل مَحْجوجٌ، أي مقصود، هذا الأصلُ، ثم تُعورِفَ استعمالُه في القصد إلى مكَّة للنُسك.. الحجُّ ركنٌ من أركان الإسلام- كما جاء في حديث بُني الإسلام على خمس..

– فُرِض مرَّةً واحدة في العُمُر على المستطيع. والاستطاعةُ تكون في الزاد والراحلة وأمن الطريق، على خلاف بين الفقهاء، وهنيئاً لمن كتب الله لهم الحج ووصلوا بسلامة الله إلى الأرض المباركة، مهبط الوحي، لكنْ؛

هناك سؤالٌ يُطاردنا موجعاً ضمائرنا وقلوبنا في كل عام؛ هل الحج أولى أم النظر في أحوال المحتاجين الذين يعانون المجاعة؟! مجاعة السكن والطعام والدواء.. في حين أن إنفاق مائة من الحجاج – مثلاً- قد تكفي علاج ألف مريض، هذا المريض الذي يجلس على فراش ألمه، ينظر إلى حجاج بيت الله،

تلعثمه حيْرة موجعة، قائلاً لسراب تفكيره: ألم تكن تكاليف هذه الحشودِ الرائعةِ صاحبة المشهد الإيماني؛ أوْلى بالتعطف والتكرم على صاحب الفراش! يقول بلسان دموعه وجراحاته التي لم يستطع كتمانها أنينُه؛ تقبل الله منكم-

يا حجاج البيت- عدتم إلينا بذنوب مغفورة، وحجج مبرورة، وأعمال متقبلة! في عصرنا هذا كُتِبت عدة أبحاث في مجال من المجالات الأصولية عن فقه الأولويات، فقه أصيل، لكنه غريب على كثير من أصحاب الحملات، ومكاتب السفريات،

وأصحاب المحسوبيات، الذين يحجون على نفقة مؤسسات لا تراعي الله في اختيار من يحجون، معنى هذا الفقه: العلم بالأمور التي ثبت لها حق التقديم وفق الأدلة الشرعية، وتعالوا لنأخذ تطبيقا على أرض الشريعة والحقيقة،

مِنْ واحدِ زمانه علماً وتزكيةً، فهم أولويات التشريع في أوانه وزمانه، إنه عبد الله بن المبارك، فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية؛ أنَّ هذا العَلَمَ قد “خَرَجَ مرَّةً إِلَى الْحَجِّ، فَاجْتَازَ بِبَعْضِ الْبِلَادِ، فَمَاتَ طَائِرٌ مَعَهُمْ، فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِ عَلَى مَزْبَلَةٍ، وَسَارَ أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ وَتَخَلَّفَ هُوَ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَزْبَلَةِ إِذَا جَارِيَةٌ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ دَارٍ قَرِيبَةٍ مِنْهَا، فَأَخَذَتْ ذَلِكَ الطَّائِرَ الْمَيِّتَ، فَكَشَفَ عَنْ أَمْرِهَا وَفَحَصَ، حَتَّى سَأَلَهَا، فَقَالَتْ: أَنَا وَأُخْتِي هَاهُنَا، لَيْسَ لَنَا شَيْءٌ إِلَّا هَذَا الْإِزَارَ، وَقَدْ حَلَّتْ لَنَا الْمَيْتَةُ، وَكَانَ أَبُونَا لَهُ مَالٌ عَظِيمٌ، فَظُلِمَ وَأُخِذَ مَالُهُ وَقُتِلَ، فَأَمَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِرَدِّ الْأَحْمَالِ، وَقَالَ لِوَكِيلِهِ كَمْ مَعَكَ مِنَ النَّفَقَةِ؟ فَقَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ عُدَّ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا تَكْفِينَا إِلَى مَرْوَ، وَأَعْطِهَا الْبَاقِيَ،

فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنَا فِي هَذَا الْعَامِ. ثُمَّ رَجَع”. نعم رجع ولم يحج. فهل يقولها من حجوا كثيراً، إنفاق في محله أفضل من حجنا في هذا العام؟! وحتى لا يقول قائل عبد الله بن المبارك كان في عهدٍ غابر، أقول لك لا تعجل، أسوق لك هذا الشيخ العارف بربه إنه مولانا:عبد الباقي المُكاشفي رضوان الله عليه،-

عالم ومربٍ معاصر سوداني- حينما دُعي لإلقاء خطبة جمعة في مسجد شُيِّد على مساحة واسعة؛ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما أهله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال كلمته التي تكتب بأرواح المحبين وأقلام الفهم: لقمةٌ في بطن جائع؛ خيرٌ من بناء ألف جامع، وخيرٌ من كسوة الكعبة بالبراقع، ثم قال: أقم الصلاة! وبما أنها أقصر خطبة، وأبلغ وأنفع موعظة؛ فقد طارت إلى بقاع الدنيا،

هذا هو الفقه، وهذا هو العلم.. أما ما نراه اليوم من تهافت الناس على الحج والعمرة مراتٍ متعددة وفي الأمة من يأكلهم؛ الجهل والفقر والمرض؛ فإن صحراء البعد القاحلة الجدباء، قد نبت شوكها، بين هؤلاء وبين أوامر الدين، وقد قال الله سبحانه في سورة الحج، جامعاً بين العبادة، وفعل الخير الذي هو أرض يقف عليها أصحاب القلوب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) ﴾. فلو كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام داعياً بيننا؛ لأذَّنَ قائلاً لمن أنفق ماله في غير وجهه الأولى: أيها المؤمنون: طوفوا حول قلوب الفقراء؛

ولَبُّوا نداءات المرضى في المستشفيات؛ لسد ما نقص من أدوية وأجهزة طبية، واسعوا بين بناء الجامعات والمدارس، وقفوا خاشعين عند حاجات طلاب العلم المحتاجين، وارموا شياطين مكاتب السياحة بحصيات النصح واللوم، وانحروا بالمقاطعة أبالسةً؛ يُبعثرون عليكم أولويات شرع الله؛ بفتاوى البيزنس الديني الوعظي المغشوش؛ فلا تأبهوا لتخويفهم إياكم بكلماتهم، فإنهم يتلونون كالحرباء على كل غصن به ثم، ثم وَدِّعوا ذنوبكم مطمئنين؛ فهذا تعظيم لحرمات الله

﴿..وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج:30]، وتعظيم لشعائر الله ﴿.. وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [32] وتكون عابداً لله لاعابداً للبيت وتقول كما قال العبد الصالح: فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنَا فِي هَذَا الْعَامِ. وبهذا تكون قد فهمت شيئاً من أولويات دينك في هذا الزمان.. كتبه: بهنسي سيف، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف.