الرئيسية » مقالات » إرهاب المساجد وحادثة العريش

إرهاب المساجد وحادثة العريش

 

 

بقلم / الدكتور عادل عامر

كان إرهابيون استهدفوا مواطنين مدنيين بمحيط مسجد فى منطقة غرب العريش، ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا، نقلوا للمستشفيات القريبة من مكان الحادث. فقد وصل عدد الضحايا الذين سقطوا جراء الحادث الإرهابي الذى استهدف أحد مسجد الروضة بالعريش بشمال سيناء، وصل إلى 184 شهيدا و85 مصابا.

الإرهاب هو الإرهاب بلا شك ليس له لون ولا دين ولا جنسية، ولكن الأجندات تختلف من تنظيم إلى آخر، فالإرهاب القاعدي مثلا كان يستهدف الغرب بالإضافة إلى دول المنطقة. أما الإرهاب الداعشي فهدفه هو التخلص من أعدائه من أتباع الطوائف الدينية الأخرى، الذين شحن شيوخهم أدمغتهم بأنهم الأعداء الحقيقيون وليست إسرائيل أو الدول الغربية.

كانت العملية الإرهابية في مسجد الروضة في العريش ، والهدف منها كما هو معروف إثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين، وزرع الكراهية بين المواطنين. السؤال المطروح لماذا استهداف المساجد، وهي بيوت الله تعالى؟ الجواب: لأن هذه الأهداف سهلة الاختراق وكذلك لأن العنف الإرهابي أساسه قتل أكبر عدد من البشر.

 وعبر كل العصور وفي مختلف المجتمعات كان استهداف دور العبادة أقصر الطرق لإشعال الفتن، وكان ومازال الوعي بأهدافها هو مما يطفئ فتيلها ويخيب مسعى دعاتها، ونحن اليوم في المجتمعات العربية أكثر وعيا بالأهداف الحقيقية للإرهاب الطائفي ولهذا برزت حالة اللحمة الوطنية في حوادث الارهاب في مصر والحقيقة أننا لا نملك سوى اللحمة الوطنية سلاحا لمواجهة مثل هذه الأعمال الإرهابية، والوقوف صفا واحدا خلف الدولة في مواجهة مرتكبيها والتصدي لعرابيها، لأن البديل الوحيد هو استنساخ الحالة العراقية، وهي حالة ثمنها باهظ جدا على الجميع والخسارة فيها مضاعفة!

لقد خرج المصريون بعد كل حادثة إرهابية استهدفتهم خلال العقدين الماضيين أكثر صلابة في مواجهة الإرهاب وأكثر إصرارا على التصدي له، ومن الواضح أنه لا معنى لقداسة للمسجد ولا لقدسية الصلاة. ومن ثمة، فهي تنظيمات بلا دين ولا أخلاق ولا مشروع يستحق التوقف عنده. ان الوقوف صفا واحدا فى وجه الإرهاب الذى يريد أن يقضى على الأخضر واليابس في مصر عامة وفى سيناء خاصة.

أن هذا الحادث الذى استهدف المصلين يعد نقلة نوعية فى العمليات الإرهابية، وحلقة جديدة تسجلها الاعتداءات السافرة للخلايا الإرهابية التى تستهدف المدنيين ورجال الجيش والشرطة ان استهداف المساجد والأضرحة الدينية , جريمة ارهابية اتسم بها تنظيم داعش منذ اعلان خلافته المزعومة في العراق وسوريا وامتدت الهجمات ضد دور العبادة في اليمن والسعودية والكويت دون مراعاة لحرمة او دين وبتبريرات لا تمت للإسلام والمسلمين بصلة والان وصلت العريش . يوما بعد يوم يثبت تنظيم داعش ان فكره الإجرامي وعنوان القتل الذي يتفرد به يفوق كل تصور ويخرج عن اي تعاليم تمس للدين الإسلامي بصلة او للتقاليد والأعراف السائدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي . هذا الإجرام لم يقف عند قتل المدنيين وتشريدهم واستعبادهم وبيعهم كسبايا او استغلال الأطفال وتجنيدهم وادخالهم في ابشع الجرائم . لكن هذه الجرائم وصلت الى مرحلة أخرى مع استهداف التنظيم للمساجد ودور العبادة في دول متخلفة دون مراعاة لحرمة او دين وهو التنظيم الذي يتغنى بنصرته للإسلام والمسلمين ولكن وفق هواه .

هذه الأمة التي يثيرها نداء، ويبعث حميتها تاريخ، ويسيل عبراتها ماض زاهر، وحاضر ثائر، ومستقبل حائر!. ثم لا ترضى بالبناء والاطمئنان، والإصلاح والعمران. فالإيمان والعمل الصالح وإقامة نظام الاستخلاف في عمارة الأرض وتحقيق شروط التمكين الإنساني لهذا النظام هو سبيل استبدال الإنسان الأمن بدلاً من الخوف الوسطية من خصائص الأمة الإسلامية, ومن أعظم ما يتميز به أهل السنة والجماعة, فإن الأمن الفكري يعني حماية المنظومة العقدية والثقافية والأخلاقية والأمنية في مواجهة كل فكر أو معتقد منحرف أو متطرف وما يتبعه من سلوك, ويحقق هذا المعنى الالتزام بالوسطية لأنها تحول دون الشطط الذي يلحق بالفكر فيجعل صاحبه منحرفاً فكرياً. إن الاستقامة على دين الله وسلوك الصراط المستقيم من أعظم أسباب تحقيق السعادة وخلو المجتمع من أي انحرافات

إن الارهاب باعتباره ظاهرة اجرامية او سلوك منحرف عن قواعد السـلوك الاجتماعي السائدة في المجتمع ، وذلك تأسيسا على ان السلوك الاجرامي ليس محض واقعة يجرمها القانون ، ولكنه سلوك يصدر من انسان يعيش في بيئة معينة ووسط مجتمع معين ، ومن ثم فهو سلوك اجتماعي منحرف ، مما لاريب فيه ان الارهاب ، على اختلاف اهدافه ووسائله ، هو نتيجة لأسباب مختلفة متعددة منها اسباب سياسية واخرى اقتصادية واجتماعية ونفسية .. الخ ، ومن المتفق عليه ان دراسة هذه الاسباب مهمة صعبة لأنها تستلزم الغور في معظم المشكلات المعقدة التي تواجه الافراد والمجتمع الدولي على حد سواء ، والتي تكمن فيها اسباب الارهاب .

وقد تذرع البعض بهذه الصعوبة ورأى من الاصوب التركيز اولا على اتخاذ تدابير عملية عاجلة لمكافحة الارهاب دون الانغمار في محاولة تحديد اسبابه المتعددة والمعقدة ولكن هناك من رأى ان تحديد اسباب الارهاب وازالتها يجب ان يسبقا العمل على اتخاذ اية تدابير لمنع الارهاب ونحن نرى ان تشخيص اسباب الارهاب ولا سيما بعد توسعه في الفترة الاخيرة ، لابد منه قبل الاقدام على اية اجراءات فعالة لاستئصاله في المدى البعيد . ولكن هذا لا يعني بان العمل على اتخاذ تدابير لمنع الارهاب يجب ان ينتظر ، بالضرورة ، تحديد اسباب الارهاب وازالته وذلك ان مقاومة حالة من حالات الارهاب يمكن ان تتزامن والمساعي المبذولة لاستئصال جذورها ،

 ونرى كذلك ان الاصرار على اولوية ما في معالجة مشكلة الارهاب قد يؤدي إلى تجزيئية لا تفيد هذه المعالجة في شيء ، وبصورة عامة ، يمكننا القول بان تشخيص اسباب الارهاب يساعد على ايضاح مفهوم الارهاب الدولي ذاته واثارة مزيدٍ من الاهتمام بمكافحته.

إن الارهاب باعتباره ظاهرة اجرامية او سلوك منحرف عن قواعد السـلوك الاجتماعي السائدة في المجتمع ، وذلك تأسيسا على ان السلوك الاجرامي ليس محض واقعة يجرمها القانون ، ولكنه سلوك يصدر من انسان يعيش في بيئة معينة ووسط مجتمع معين ، ومن ثم فهو سلوك اجتماعي منحرف ، لذلك فان دراسة اسباب ودوافع الارهاب يعطي التفسير لهذه الظاهرة وبالتالي فان تفسير هذه الظاهرة ينطبق عليه ما يقال عن تفسير الظاهرة الاجرامية بصفة عامة حيث يقرر علماء الجريمة انها لا ترجع الى مصدر واحد او مصدرين بل تنبع عن مصادر عديدة متنوعة ومتشابكة ومعقدة وبالمثل فالإرهاب، كظاهرة إجرامية لها خصوصيتها بين غيرها من الظواهر الاجرامية الاخرى ، ليس فعلا منعزلا او عرضيا ولكنه ثمرة تضافر عوامل عديدة تحركه وتحدد تكوينه وهيئته وظهوره وبالنظر إلى هذا التعدد ( تعدد دوافع الإرهاب وميزاته

ان عدم التطرق الى اثر البيئة المحيطة بالفرد على الظاهرة يجعل من دراسة الاسباب والدوافع للظاهرة مبتورة ، نظرا لما لهذا الجانب من اهمية في صياغة شخصية الانسان ، وما نقصده بأثر البيئة هو البحث في دوافع الارهاب الخارجية على المستوى الشخصي ، أي تقصي حقيقة العوامل المحيطة بالفرد والتي قد تدفعه – هو بالذات – دون غيره من افراد المجتمع الى ممارسة الارهاب .

واذا كان الفرد يعيش في ظل مجتمع معين فهذا المجتمع – بالنسبة له – يتدرج وفقا للمراحل العلمية له، فالأسرة هي المجتمع الاول للشخص ، ثم المدرسة او الجامعة ، ثم بيئة العمل – ان وجد – او الفراغ ، وكل هذه البيئات تؤثر في تكوين الفرد وصقله كانسان يحترم قواعد السلوك الاجتماعي ، او انسان متمرد على هذه القواعد وكافر بها . وتأثير هذه العوامل يكون مباشرا على الشخص ، حيث قد تدفعه دفعا الى طريق الاجرام اذا نشا في بيئة تتسم بالعنف والاجرام ، وقد تكون – على العكس – هي السياج الذي يحميه من الانزلاق في مهاوي الجريمة.

نرى ضرورة اللجوء الى القانون الدولي لمعالجة اسباب الارهاب ودوافعه باعتبارها – منازعات – دوليه وتسويتها واتخاذ التدابير لمواجهة العدوان في حالي وقــوع العمليات الإرهابية الدولية تتم وفقا” لأحكامه وبجزاءائه وبخاصة الوسائل القانونية التي تضمنها ميثاق الامم المتحدة ومن هذا الرأي غالبية الدول والاوساط القانونية في العالم ويبـدو ان الاتجاه الاخير اكثر انسجاما مع مقتضيات احترام القانون والشرعية ويقدم وســـائل وحلول قانونيه عمليه وفعـــاله في مواجه ظاهرة الارهاب الدولي , ويحقـــق مقاصد الامم المتحدة وغاياتها التي نص عليها الميثاق وقمـع العدوان وحل المنازعات الدولية بالوسائل السلمية ومنع اسـتعمال القوة او التهديد بها في العلاقات الدولية او استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاسـتقلال السياسي لأية دوله على وجه لا يتفق ومقاصد الامم المتحدة والعمل على انماء التعاون والعلاقات الودية بين الامم ومنـــع الدول من التدخل في الشــــؤون الداخلية للـدول الاخرى, ولاشك في ان ممارسة الارهاب الدولي او التهديد به ضد أمن وسـلامة طرف دولي اخر لأي ســبب كان يخالف هذه المبادئ والمقاصد ويعد انتهاكا صارخا” لها فضلا” عن ان اللجوء اليه اساسا مخالف للقانون الدولي ويوجب اتخاذ التدابير المنصوص عليها في الميثاق ضد مرتكبه .

أثار الإرهاب ، ولا زال ، جدلا عالميا واسعا لما يمثله من خطورة وتهديد لأمن وحياة البشر وحضارتهم وإنجازاتهم ،هذا التهديد الخطير الغير مقيد بقانون أو أخلاق ، والمتسم بالعنف والاستخدام الغير مشروع للقوة ، يؤدي بين الفينة والأخرى بأعداد كبيرة من الضحايا الأبرياء ويدمر الممتلكات ويخلق حالة من الخوف والذعر واليأس ، ويستهدف تحقيق نتائج اكبر عبر الإضرار بالعلاقات الودية بين الدول أو بين رعاياها وبشكل يهدد السلم والأمن الدوليين في الصميم .

وكون الإرهاب هو مفهوم قانوني ذو بعد سياسي ، فان هذا الأمر انعكس في مسألتين ، كانتا سببا في عدم التوصل إلى نتائج حقيقية بصدد إيجاد معالجة شاملة جامعة للقضاء على الإرهاب ، تمثلت الأولى في عدم تناسق الآراء الدولية بشأن أسباب الإرهاب، والمسألة الثانية في عدم توحد الآراء الدولية بشأن تعريف موحد يعكس حقيقة المفهوم في ظل الوضع الدولي الحالي ، وصولا إلى وضع اتفاقية دولية شاملة لمكافحة الإرهاب .

بالرغم من تعاظم الجهود الدولية المبذولة في سبيل مكافحة هذه الظاهرة ،ألا أن التباين الواضح في المصالح الدولية والتي اثرت بشكل واضح في مسألة مكافحة الارهاب ، فان الامم المتحدة قد عملت و بشكل جاد ومكثف لاحتواء هذه الظاهرة ومحاولة مكافحتها فقد وضعت و طورت – الامم المتحدة وكالاتها المتخصصة -العديد من الاتفاقيات الدولية لتمكن المجتمع الدولي من اتخاذ الاجراءات اللازمة لقمع الارهاب ومحاكمة المسؤولين عنه ، عاكسة بذلك تصميم المجتمع الدولي على ازالة هذا الخطر ،

– معالجة اسباب الارهاب والتي هي اساس خروج الظاهرة للوجود ، فالقضاء على الاسباب يعني معالجة الظاهرة والقضاء عليها اما اذا ظل الامر على ما هو عليه بإهمال معالجة الاسباب ، فستكون النتائج كارثية وعلى المستقبل البعيد .

 – وضع تعريف شامل وجامع للإرهاب لتحديد ما هو ارهاب وما هو غير ارهاب ، أي وضع الحدود والفواصل القانونية لهذا الغرض ، وعدم تجاهل حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في النضال والكفاح المسلح لتحقيق هذا الحق ، وبالتالي الاقرار الكامل بوجوب التمييز بين ما هو ارهاب غير مشروع وبين ما هو كفاح مسلح لحركات التحرر الوطني مشروع ومقر دوليا .

– وضع اتفاق دولي شامل لمكافحة هذه الظاهرة تشتمل ما ذكرناه انفا (معالجة الاسباب – وضع تعريف مناسب ) وتضع الحدود المعقولة وتبين التزامات الاطراف الدولية ومن كافة النواحي القانونية لتجعل من مهمة مكافحة الارهاب مهمة انسانية تقع على عاتق المجتمع الدولي والانسانية بأجمعها .

Share

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: