من لا يذكر أحداث 5 أكتوبر 1988 أو بأحرى الربيع الجزائري قبل اوانه؟

غير مصنف

14593318_1309946969037840_1635160980_n

الكاتبة و الباحثة الجزائرية يمينة زرينيز
مدير مكتب الجزائر

تمر الذكرى الثامنة والعشرين، لأحداث أكتوبر 1988، أو ما صار يعتبره الكثيرون بعد الثورات العربية الأخيرة، بنسائم الربيع العربي، التي هبّت على الجزائر، وأجبرت الدولة على أن تُكسّر طابو الأحادية التي سيّرت بها البلاد في زمن أحمد بن بلة وهواري بومدين، وخلال عشر سنوات من حكم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد للجزائر، عندما اشتعلت الثورة في شوارع العاصمة وسقط قتلى، وظهر في الساحة الكثير من رجالات السياسة، وغالبيتهم كانوا يشتغلون في الخفاء ومنهم من كان منفيا في الخارج، وعجلت بظهور الكثير من الساسة والأحزاب الجديدة على اختلاف توجهاتها، رغم أن انتفاضتين حدثتا في عامي 1980 و1986 سبقتا انتفاضة أكتوبر في العاصمة وفي غرب البلاد .وخلال عشر سنوات من حكم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد للجزائر، عندما اشتعلت الثورة في شوارع العاصمة وسقط قتلى، وظهر في الساحة الكثير من رجالات السياسة، وغالبيتهم كانوا يشتغلون في الخفاء ومنهم من كان منفيا في الخارج، وعجلت بظهور الكثير من الساسة والأحزاب الجديدة على اختلاف توجهاتها، رغم أن انتفاضتين حدثتا في عامي 1980 و1986 سبقتا انتفاضة أكتوبر في العاصمة وفي غرب البلاد .

وكانت أول أحداث عنف واحتجاج، وقعت في الجزائر منذ الاستقلال تلك التي عُرفت بالربيع البربري، في ربيع 1980 في عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، عندما كان الكاتب الشهير مولود معمري بصدد التحضير لإلقاء محاضرة في مركز ثقافي بقلب مدينة تيزي وزو من دون ترخيص رغم بُعد المحاضرة السياسي، فمنعه رجال الأمن بالقوة، وهذا في 11 مارس 1980، ليحدث تشابك بين المحتجين ورجال الأمن، انتقل بعد ذلك إلى شوارع مدينة تيزي وزو وكامل منطقة القبائل، وبقيت حصيلة الربيع القبائلي إلى حد الآن مجهولة مع تضارب الأرقام وتناقضها خاصة أن الإعلام الفرنسي خاض فيها وصوّرها على أنها “مجازر” و”أودية من الدم”، متناقضة بين ما أعلنه المنتفضون وأوصلوه إلى المئات، وما أعلنته السلطة بعد سنوات، وهي التي رفضت في ذلك الوقت التطرق للمشكلة عبر وسائل الإعلام، التي كانت بالكامل تابعة للدولة، وتم إجهاض الانتفاضة في مهدها، رغم أن ما حدث في ذات المنطقة بعد مقتل الشاب ماسينيسا في بداية الألفية الحالية، كانت له جذور من أحداث ربيع 1980 البربري، ولكن هذه المرة بدعم من بعض وسائل الإعلام، وتغطية للبقية بما في ذلك التلفزيون ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة العمومية فما بالك بالخاصة.
أما أحداث 1986 فكانت شرارتها الأولى في جامعة قسنطينة منتوري، بعد إضراب عادي للطلبة في الثامن من نوفمبر، تطوّر إلى عمليات تخريب مسّت وسط مدينة قسنطينة، طالت كل المرافق العمومية من دون استثناء واشتعلت النيران في السيارات، وشلت المدينة بالكامل، وأدت الأحداث إلى سقوط قتيلين من المحتجين، من بينهما سيّدة حامل خنقها الغاز المسيل للدموع، وتميّز الثامن من نوفمبر بغلق الجامعة وتبادل الطلبة رشق الحجارة مع رجال قمع المظاهرات، الذين بادلوهم بوابل من القنابل المسيلة للدموع، وقدّم التلفزيون الجزائري بعد يومين كاملين من الحادث أي بعد عودة الهدوء إلى مدينة قسنطينة، ثلاثة شبان قيل إنهم من المتابعين قضائيا، واعترفوا بأنهم أرادوا “الفوضى في البلاد” دون أن تقنع هذه الشهادات عامة الناس الذين وصفوها بالمفبركة.
ورغم أن الأحداث أجهضت أيضا في مهدها في عاصمة الشرق الجزائري، إلا أنه خلال تنقل فريق شباب قسنطينة، لإجراء مقابلة نهاية الأسبوع بعد أحداث قسنطينة إلى ملعب الفاتح من نوفمبر بتيزي وزو، وجد ترحاباً منقطع النظير وهتف المناصرون للشبيبة باسم لاعبي الشباب أكثر من لاعبي ناديهم شبيبة القبائل، وبعد شهر من أحداث قسنطينة، أي في الحادي عشر من ديسمبر 1986، إندلعت أحداث أخرى في المدينة المجاورة بسطيف، شهدت سقوط قتيل.أدّت هذه الأحداث التي بقيت في طي الكتمان وتجاهلها الإعلام، حتى أن عامة الجزائريين لم يعلموا بها ولا أحد وثق لوقوعها، أدت إلى نشاط معلن من الحقوقي الأستاذ علي يحيى عبد النور، الذي رفع صوته لأجل إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، فتم توقيفه في 17 ديسمبر 1986، وأفرزت كل هذه الأحداث اندلاع غيرها، وبعضها أخذ توجهات إسلامية في بداية عام 1987، عندما تم القضاء على القيادي الإسلامي الشهير مصطفى بويعلي في شهر جانفي، وكان مصطفى من الذين رأوا أن “الحل الإسلامي” هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.

وخلال عام 1987 وقعت أحداث سياسية مختلفة، من بينها ظهور الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة في المشهد السياسي، بعد اختفائه نهائياً مباشرة بعد تأبينية الرئيس الراحل هواري بومدين، رغم أن ظهوره كان وجيزا ومن دون أدنى ضجة إعلامية، وهذا في 16 فيفري 1988، أي قبل توليه الرئاسة بـ11 سنة، وفي نفس الشهر تواصلت مهازل الانتخابات الأحادية الأبعاد التي أساءت للنظام وللجزائر في عصر البيريسترويكا، حيث قدمت جبهة التحرير الوطني وحدها قوائم للانتخابات التشريعية في 26 فيفري 1988، وقيل إن نسبة المشاركة فاقت 88 بالمئة، وذهبت المقاعد التي عددها 295 لحزب جبهة التحرير الوطني بالكامل، كما تم اغتيال في ظروف غامضة المحامي الجزائري علي مسيلي بشوارع باريس، وهو أحد مؤسسي الأفافاس رفقة آيت أحمد، ومازالت جريمة اغتياله مبهمة إلى حد الآن رغم أن بعض مناضلي الأفافاس وجهوا أصابع الاتهام للنظام الجزائري.وبعد أن ظن الرئيس الشاذلي بن جديد والسلطة عموما، بأن الأمور قد استقرت على الهدوء في نهاية عام 1987 وبداية 1988، انشغلت بالشؤون المغاربية، حيث زار الزعيم الليبي السابق أمعمر القذافي الجزائر في ديسمبر 1987، وفيفري 1988 وانشغل الشاذلي بن جديد بهذه الزيارات التي لم تنقطع من القذافي الذي كان عادة لا يكتفي بيوم أو بضعة أيام ولا بساعة زمن من المحادثات، فعجلت بعودة العلاقات الديبلوماسية بين الجزائر والمغرب في منتصف شهر ماي 1988، وتم فتح جزئي للحدود مع المغرب، ثم توالت الاجتماعات المغاربية والاهتمام بالشأن الخارجي والمغاربي على وجه الخصوص في لقاءات زرالدة، وفي الخيمة القذافية العملاقة في طرابلس، في الوقت الذي انهار سعر البترول مع الاستقرار العالمي، وهو ما جعل الاقتصاد الجزائري ينهار، وتختفي مظاهر الأبَّهة التي عرفها الجزائريون في بداية ثمانينيات القرن الماضي، إلى درجة أن منحة السياحة صارت لا تتعدى الثلاث مئة فرنك فرنسي، وبدأت مظاهر الفقر تظهر أمام العيان خاصة في الجزائر العاصمة، حيث توقفت نهائيا مشاريع السكن والتشغيل وعرف الشباب أنهم أمام آفاق مغلقة، ولا أمل لهم في الشغل وفي السكن، وحتى في الهجرة إلى الخارج، خاصة أن الدولة أغلقت أبواب الإعلام في وجوههم، وكانت الصورة الظاهرية توحي أن البلاد في أحسن أحوالها، بينما باطنها كان معقدا جدا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وكل هذه الظروف مهّدت لاندلاع أحداث الخامس من أكتوبر 1988 التي هزّت العاصمة وحي باب الواد بالخصوص، وشارك فيها جامعيون وطلبة الثانويات، وأفرزت لأول مرة إعلان حالة الطوارئ على مستوى الجزائر العاصمة، وانتقلت أحداث العنف والمظاهرات إلى قرابة 70 بالمئة من التراب الوطني، وبقيت منطقة القبائل ومدن شرق البلاد، في عمومها بعيدة عن الأحداث لأنها عاشت ربيعها في عامي 1980 و1986 وتوالت بعد ذلك الأحداث بسرعة منذ أن عرفت الجزائر أول وأكبر انتفاضة في تاريخها بعد الاستقلال، وأيضا أول انتفاضة شعبية في تاريخ المنطقة العربية، طالت الجامعات والمساجد وما زال التضارب إلى حد الآن، عن عدد القتلى، حيث صعُب إعطاء رقم حقيقي بين 159 إلى 500 قتيل، في الجزائر العاصمة فقط، وتم خلال الأحداث توقيف مالا يقل عن 3800 مواطن كلهم من الشبان والذكور، ولم يفرج في اليوم الأول إلا عن 923 وتمت محاكمة البقية في أجواء مشحونة.وتم سحب البساط بعد الأحداث تحت أقدام المرحوم الشريف مساعدية والجنرال لكحل عياط كإجراء لامتصاص الغضب، وهذا في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر، وسارع الشاذلي بن جديد إلى إجراءات التخفيف وكان أهمها إطلاق سراح المعتقلين، وتقديم دستور جديد للتعديل كان من أهم بنوده إقرار الديمقراطية والتعددية الحزبية، والحرية لوسائل الإعلام التي لم يكن فيها في الساحة، سوى جرائد الشعب والمساء والنصر والجمهورية باللغة العربية، والمجاهد وآفاق 2000 باللغة الفرنسية، إضافة إلى أسبوعيات رياضية وعامة، وأعطى الجزائريون بنسبة 92 بالمئة موافقتهم على تغيير الدستور، الذي أفرز بعد ذلك قرابة الستين حزبا غالبيتها ذات أبعاد عرقية ودينية.

وبعد شهر بالتمام والكمال على أحداث الخامس من أكتوبر تم تعيين الراحل قاصدي مرباح، رئيسا جديدا للحكومة واسمه الحقيقي، هو عبد الله خالف وهو من مواليد أفريل عام 1938، قبل أن يُغتال في أوت عام 1993، وبدأت الأحداث السياسية تتسارع فعاد في الشهر الموالي، الكثير من أنصار وأصدقاء الرئيس الأول للجزائر، أحمد بن بلة، كما تم ترميم العلاقات الديبولماسية مع مصر، تحت ضغط المجتمع الدولي بعد إحدى عشرة سنة من القطيعة، عقب الزيارة الشهيرة لأنور السادات إلى القدس المحتلة ومعاهدة السلام مع ميناحيم بيغن وجيمي كارتر، التي جعلت الجزائر من أوائل الدول التي قطعت علاقاتها مع القاهرة.

وحاول الشاذلي تقديم صورة أخرى للجزائر رغم أنه ترشح لوحده لرئاسيات 22 ديسمبر عام 1988، من خلال إعطاء أرقام بعدية عن قرابة المئة من المئة من المنتخبين بـ”نعم”، فأعطى رقم 82 بالمئة من الذين قبلوا مواصلته قيادة البلاد في غياب أي مترشح، وأيضا قبل ظهور الأحزاب السياسية ببضعة أسابيع فقط، ورغم ما بذلته الجزائر اقتصاديا خاصة المعاهدات التجارية لتبليغ الغاز الجزائري لدول البحر الأبيض المتوسط الشمالية، ومنها فرنسا بالخصوص، إلا أن الاقتصاد الجزائري بقي في الحضيض، وهو ما شكّل ضغطا على نظام الشاذلي بن جديد الذي عجز نهاية عام 1988 عن إخراج البلاد من عنق الزجاجة، واستغلت فرنسا الفرصة، فجرّت الجزائر إلى مستنقعات سياسية، وأيضا إلى تغيير بعض المواقف ومنها زيارة الرئيس الشاذلي بن جديد في الشهر الأول من عام 1989، أي بعد ثلاثة أشهر عن أحداث 1988 إلى المغرب، ولكن الحالة الاجتماعية بقيت معقدة وأصبحت الإضرابات ظاهرة جزائرية وكسّر الجزائريون حاجز الخوف من السلطة منذ أحداث أكتوبر 1988 حيث شهدت كل الولايات من دون استثناء احتجاجات خاصة في الجامعات.