غير مصنف

ما هي الدولة العميقة؟

كتبت الدكتورة /قاطمة الزهراء الشيبلى

أكاديميةو باحثةفي جامعة وهران

الجزائر

هي مجموعة من التحالفات وشبكات العلاقات الممتدة داخل جسد الوطن أفقياً و رأسياً بدون شكل او تنظيم محدد وملموس،

و هي أيضا المؤسسة غير المعلنة والتي تعمل في قلب الدولة و تتحكم في شرايينها وهي تشمل أعضاء برلمان وسياسيين و رجال أعمال و رجال أمن و رجال دين و فنانين وإعلاميين،

بمعنى هي شبكة مصالح متشابكة ومترابطة لا يعرف افرادها بعضهم بعضا لكنهم يعملون لهدف مشترك وهو الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم خارج اطار القانون والمجتمع والدولة، بمعنى آخر دولة داخل الدولة او دولة فوق الدولة ! يسيطر عليها عدد من الأشخاص واللوبيات أو المؤسسات للحفاظ والدفاع على مصالحهم المكتسبة بطرق غير قانونية أخطرها ذات المدى “السياسي” لأنها تقوض العمل السياسي.”

وكلما تجذرت الديمقراطية والمحاسبة والتداول على الحكم، كلما ضعفت “الدولة العميقة” والعكس صحيح طبقاً لما سبق فإن الدولة العميقة لها عدة محاور أو أذرع أساسية: الذراع السياسي ،الذراع المالي ،الذراع التشريعي ،الذراع القضائي ،الذراع الاعلامي ،

الذراع التنفيذي أو الأمني كل ذراع من هذه الأذرع يتحرك في اتجاه معين ولكنه في النهاية يصب في مصلحة الدولة العميقة بشكل او بآخر، الملاحظ ان جميع هذه الأذرع تتحرك بتناغم شديد يدل على وجود رأس او تنظيم معين يحكمها جميعا و يحركها حتى لا تتضارب المصالح.

وقد تتكون الدولة العميقة بهدف مؤامراتي أو بهدف مشروع كالحفاظ على مصالح الدولة كنظام حكم و قد لاحظنا بعد ما سمي (بالثورات العربية ) اختلال في تنظيم عمل الأذرع مما تسبب في شلل تحركات الجماعات التنفيذية على الأرض في كل مجال من المجالات السابقة . تعد الدولة العميقة من أهم محاور دراسة العلوم السياسية بوجه خاص،

والعلوم الاجتماعية بوجه عام، بما تحتويه من معان متعلقة بشبكات المؤسسات والمصالح والمجموعات وعلاقات السلطة والقوة ومستوياتها المختلفة، والدول أنواع فهناك دول قوية ودول ضعيفة، هناك دول بنظام جمهوري وأخرى بأنظمة ملكية برلمانية، وهناك أيضا أنواع لا تقع في بؤر الدراسة عادة مثل حكومات الظل، الدولة الموازية، ولعل من أهم تلك التعريفات هي الدولة العميقة .

برز ذلك المفهوم بتعريفات مشابهة في كل من تركيا في تسعينيات القرن الماضي للتعبير عن شبكات من المجموعات وضباط القوات المسلحة الذين أخذوا على عاتقهم حماية علمانية الدولة التركية ومحاربة أي حركة أو فكر أو حزب أو حكومة تهدد مبادئ الدولة، و كان ذلك أول ظهور لمفهوم الدولة العميقة. ثم برز ذلك المفهوم بتعريفات مشابهة في الولايات المتحدة الأمريكية مع إنشاء الوكالة المركزية للاستخبارات الأمريكية،

وبدا أن الدولة العميقة تتمثل في شبكات السلطة السياسية في واشنطن والسلطة الاقتصادية والمالية في وول ستريت والتي تعمل على حماية مجموعة من شبكات المصالح المختلفة. تردد بعد ذلك مفهوم الدولة العميقة بين العديد من الدول،

ولا سيما في منطقتنا العربية والإسلامية وخاصة فيما بعد الانتفاضات العربية التي تعاقبت على العديد من العواصم العربية وما آلت إليه الأحداث، والتي شهدت تحولا أظهر مفهوما واضحا للدولة العميقة التي لعبت دورا مهما في مجريات الأحداث،

ذلك المفهوم هو أنها تمثل المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية التي تجتمع على هدف الحفاظ على مصالحها ضد أي تهديد والعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه بما يحفظ تلك المصالح المتشابكة، كما تقوم بذلك بدعوى الحفاظ على الأمن القومي ضد التهديدات الخارجية .

كيف تعمل الدولة العميقة؟ لعل من أحد أدوات عمل الدولة العميقة كي تحافظ على شبكات المصالح بداخلها هو استخدام العنف في إطار حالات استثنائية خارج إطار القانون، والتي يتم فيها اتخاذ العديد من الإجراءات الأمنية بدعوى الحفاظ على الأمن القومي من الخطر الخارجي

و أن هناك دائما عدو مترصد لابد من التأهب لصده عما يشكله للدولة من تهديد، وفي إطار ذلك تقوم الدولة بقمع المعارضين وكل من هم لا يشعرون بالرضا عن أداء الدولة بشكل عام والسياسي بشكل خاص، ويكون الهدف هو إضفاء طابع قانوني على حالة الاستثناء!

وليس بعيدا أن يتم استغلال المؤسسات الدينية التي تسيطر عليها الدولة لتبرير تلك الإجراءات من الناحية الدينية حتى يتم إضفاء طابع “شرعي – ديني” على ممارسات الدولة الأمر الذي يدفع المواطنين بالتزام الصمت. وتقوم الدولة العميقة أحيانا بانتهاج الحيل والخداع على المواطنين من أجل الحفاظ على النظام العام ومنظومة القيم والمعتقدات المتعلقة بشكل مباشر أو غير مباشر للدولة، كاستخدام الجهاز الاداري “البيرقراطية” التي تعد أحد أدوات الدولة العميقة،

وهي فرع معبر عن القانون من أجل تطويل العمليات الادارية على المواطنين والتي من خلالها يعمل الموظف على الحفاظ في زعمه على النظام العام وعدم إعطاء للمواطن الفرصة بالاعتراض أو احداث خلل في تلك المنظومة!

أيضا تقوم الدولة بامتلاك أدوات الاقتصاد والتحكم في الاسواق من أجل الحفاظ على شبكات المصالح الاقتصادية التي تستفيد بشكل ما أو بآخر ببقاء النظام العام على ما هو عليه وفي سبيل ذلك تقوم بافتعال الأساطير والحكايات التي من خلالها تتحكم في مسألة العرض والطلب واتجاهات السوق، بجانب ذلك تقوم الجهات السيادية “العسكرية مثلا”

بامتلاك العديد من الشركات الاستثمارية التي تعود عليها بالربح وتكون جزأ من العمليات الاقتصادية كما تقوم الجهات السيادية بالتوغل داخل الأجهزة الادارية والتنفيذية داخل الدولة مثل الحكم المحلي والمحافظات والولايات و تعيين عسكريين كممثلين للدولة العميقة بصفة خاصة حتى تضمن أن جميع مفاصل الدولة تعمل بنفس الوتيرة ! إلى جانب تعيين الضباط المتقاعدين من الخدمة العسكرية في مجالس ادارات الهيئات والشركات المتعلقة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية،

وكي تستكمل هذه المعزوفة فإننا نرى الحملات الدعائية في الإعلام والتحريض وتوصيل رسائل الدولة بشكل مباشر وغير مباشر، والمساهمة في خلق الحيل والخداع وتضخيم العديد من القضايا الفرعية على حساب القضايا الكبرى لتحريك الرأي في اتجاه يحافظ على الدولة والنظام العام، ولن يكون هناك مجالات للشك في خضوع وسائل الإعلام المختلفة لأجهزة الدولة العميقة التي ترعى وتمول مثل ذلك الدور.

أي أننا أمام تكتل وشبكة معقدة من العلاقات والتداخل بين أجهزة ومجموعات عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية ومدنية ودينية لمقاومة أي تغيير يطرأ من شأنه أن يهدد المصالح الحيوية التي يتوقف عليها وجود الدولة العميقة والقائمين عليها، ونستطيع أن نرى ذلك في أمثلة واقعية في العديد من دولنا العربية أو في العالم باحداث الاغتيالات السياسية واحداث اضطرابات

و الحفاظ على المصالح الاقتصادية والأمن القومي من خلال السيطرة على السوق داخليا، والحروب وقلب الأنظمة السياسية في دول بعينها خارجيا كالحفاظ على المصالح المختلفة المنتفعة من النظام العسكري مثل السيطرة على الخدمات الحيوية ، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي توضح تلك الحقيقة بشكل واضح وهذا يفسر عدم حدوث التغيير المنشود في الدول التي

قامت بها الثورات أما في الجزائر فقد استيقظت فجأة “الدولة العميقة” إثر اندلاع الحراك السلمي غير المتوقع في أجندة المطبلين لعهدة خامسة لرئيس مريض لم يرغب في الترشح !هذا الحراك فاجأ الجميع في الداخل والخارج لانه تعرض لتنويم ممنهج في الخارج قبل الداخل للحفاظ على مصالحهم وخاصة التي تدخل في اطار صفقات شركات الدولة. إن تعريف “الدولة العميقة”

في الجزائر في هذه الحالة هو “كل مؤسسة أو هيئة أو جماعة أو فرد” عمل بشكل مباشر أو غير مباشر على عرقلة مطالب الحراك وعنفوانه السلمي ، الذي صدح به الشعب الجزائري من أجل القضاء على كل أشكال الفساد و المفسدين والتحرر والانعتاق نحو الارتقاء العالمي “الدولة العميقة المصلحية “

هي التي رشحت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للعهدة الرابعة سابقا ،وهي تعلم أنه مريض جدا ! وبعد أن ضيعت على الشعب الجزائري خمس سنوات من حياته ، أرادت ترشيحه لعهدة خامسة مرة اخرى وهي تعلم حالته الصحية الهشة !؟ مما أفاضت قطرة كأس غضب الشعب الجزائري وسرعت بخروجه من الحفرة التي دفن فيها طيلة عشرين سنة الأخيرة على الأقل و”الدولة العميقة”

في الجزائر هي التي خلقت عشرات الآلاف من الأثرياء فجأة دون ممارسة عمل منتج، وهي التي بذرت الملايير من دولارات المال العام، وهي التي تسببت في تسريح الآلاف من الأساتذة والمعلمين المتشبعين بالخبرة البيداغوجة والوطنية الثورية ،وعوضتهم بشباب لا يمتلك أدنى خبرة أو قدرة على التعليم و لا التثقيف السياسي !

وهي التي توجه الرأي العام بما يخدمها عن طريق فبركة دكاكين إعلامية سمتها قنوات إعلامية ! وبمجرد ظهور الحراك السلمي المبارك بدأت الدولة العميقة في التشكيك في قدرته على الأخذ بزمام التغيير السلمي نحو الأفضل والاستقرار، بل شنت عليه حملة تخوين و قذف في حق كل نشطائه ،

ولم تتوان في فبركة الإشاعات الواحدة تلو الأخرى، وشن حملات التخويفات والتهديدات حتى لا تخرج الجماهير إلى الشارع، وسمحت هذه “الدولة ” لنفسها بتحريف شعارات الحراك ومطالبه لصالحها

،أوحت أنها مطالب اجتماعية !؟ قصد تفتيته وتقسيمه لأجزاء، و سمحت لنفسها هذه الدولة بنشر معلومات وأخبار خاطئة، عبر آلاف مواقع التواصل الاجتماعي التي أنشأتها حديثا وجندت الآلاف من الذباب الالكتروني لتخريب عقول الناس وزرع الفتن و الخوف واليأس في نفوسهم.