دين ودنيا

الافتراء على الأبرياء

كتب / كريم الرفاعي


قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ 112النساء ، إن اتهام الناس والكذب عليهم، والافتراء على الأبرياء والبريئات، خطره جسيم وضرره عظيم، بل هو خطيئة منكرة،وجريمة عظيمة، وعاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ فكان على الإنسان أن يهتم بكلامه ، قبل الحكم علي الناس ، والافتراء عليهم لقوله تعالى : ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُم ْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ سورة النور ، فاتهام الأبرياء بالتهم الباطلة، والأخذ بالظن والتخمين، ورمي المؤمنين بما لم يعملوا،وبهتانهم بما لم يفعلوا،عاقبته وخيمة وآثاره أليمة في الدنيا والآخرة، واتهام الأبرياء ، من الأمور المستشرية بين الناس ، وهو ما نهى عنه الإسلام ، لأن اتهام الناس بالباطل ظلم كبير ، جاء في الحديث النبوي الشريف عن عائشة : ( ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام يخطئ في العفو خير أن يخطئ في العقوبة ) رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا.

لذا حذّر الله عز وجل ورسوله الكريم, من الاتهام بالباطل وقذف المحصنات والسب, والتنابذ بالألقاب والتلاعن , والتباغض, فقال تعالى : ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ فاتهام الناس بالباطل أمر عظيم عند الله ، وكل من أقدم علي ذلك سوف يجد عذابا عظيما في الدنيا والآخرة، لأنه من اشد أنواع الظلم ، لما له من عواقب وخيمة علي المجتمع ، إذا يعمل علي تفسخ العلاقات الاجتماعية ، ويوصل إلى الخراب والدمار لهذا فإن الأعراض مصونة في الإسلام ، لا يجوز أن ينتهكها ، أو يشهّر بها أحد ، فكيف إذا كان انتهاك عرض المسلم والتشهير به من غير بينة ؟ ففي ذلك مخالفة صريحة لما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم ، لكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ) حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا ، وبعضه في الصحيحين .


جبل الله النفس على الضعف ، كما قال تعالى : ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾النساء 28 ، وهذا الضعف يشمل الضعف النفسي ، والضعف البدني ، وقد يصبح الضعف في بعض الأحيان مولداً للأخلاق الرديئة ، والصفات الذميمة حتى يقود الإنسان إلى أن يدّعي على أخيه ما ليس من حقّه ، فيزعم أنه قد أخذ له مالاً ، أو سفك له دماً ، أو أخذ أرضا ، بدعوات كثيرة ليست مبنية على دليل أو برهان ، بل هي تهم باطلة قائمة على البغي والعدوان .

ولو كانت الموازين البشرية أو مقاييسها هي المرجعية فيما يقع بين الناس من اختلاف ، لعمت الفوضى وانتشر الظلم ، وضاعت حقوق الناس وأُهدرت دماء واستبيحت أموال بغير حق لكن من رحمة الله أنه لم يترك الناس هملا ولم يكلهم إلى أنفسهم ، بل شرع لهم من الشرائع ما هو كفيل بتحقيق العدل والإنصاف بين الناس ، وما هو سبيل لتمييز الحق من الباطل ، بميزان لا يميل مع الهوى ، ولا يتأثر بالعاطفة ، ولكنه راسخ رسوخ الجبال ، قائم على الوضوح والبرهان .


ومن هذا المنطلق أورد الإمام النووي رحمه الله هذا الحديث ، ليكون أصلا في باب القضاء بين الناس ، إذ هو منهج يجب أن يسير عليه كل من أراد أن يفصل بين خصومات الناس ، ليعود الحق إلى نصابه وأهله ، ويرتدع أصحاب النفوس المريضة عن التطاول على حقوق غيرهم .

فكم أشاع الناس عن بعضهم أموراً لا حقائق لها كذبا وزورا ،وخصوصاً عند من عرفوا بعدم المبالاة بالنقل،أو عرف منهم الهوى ، فكان لا بد من التثبت وعدم التسرع في نقل الأخبار، وبهذا يعرف دين العبد،ورزانته،وعقله قال تعالى(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)النحل، وقد يكون الذي يتناقله الناس صدق،وحق، فكيف يتبين الإنسان،قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ سورة الحجرات، هنالك ضوابط شرعية لنقل الأخبار ، لا بد للمسلمين من معرفتها،فكم من دماء أريقت لأبرياء،وكم من أعراض انتهكت، دون أن نتثبت،وأن نتبين، نكتفي بالقول ، سمعت الناس يقولونه فقلته، وقد قال تعالى(وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)النور، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)رواه مسلم، إن التسرع في الاتهام، رُوّع به أقوام من الأبرياء، وظُلم به أناس، وهُجر به صلحاء دون مسوغ شرعي، فهذا يصف بعض الناس بالإجرام، وآخر بذهاب الدين، وثالث بالسرقة والاحتيال، ورابع بالفاحشة، وتستمر وسائل التدليس، من مواقع الأخبار في الإنترنت وغيرها، وألسنة الناس تلوك أعراض الأبرياء. جاء في القرآن والسنة قصصاً من التاريخ اتهم فيها كثير من عباد الله الأبرياء ، فهذا نبي الله يوسف في عرضه، ثم برأه الله سبحانه وتعالى: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ ﴾ . وآذى اليهود موسى عليه السلام قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ الأحزاب 69.

وقصة الآية ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة: (إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء استحياءً منه) كان يبالغ في التستر لا يريد أن يرى أحد شيئاً من جلده، قال: (فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة) انتفاخ في الخصيتين (وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرأه مما قالوا) اتهموه بذلك العيب (وإن الله أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده) أي موسى عليه السلام (فوضع ثيابه على الحجر) وهو بعيد عن الناس (ثم اغتسل، فلما فرغ ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه) معجزة جرى الحجر بثوب موسى (فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر) (فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر ، فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ) وهكذا اتهموا نبيهم بهذه الأدرة، وبرأه الله مما قالوا .

ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واستقبله فيمن استقبله عبد الله بن سلام، أبو يوسف الحبر الصادق، الذي هداه الله فترك دين اليهودية، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لما تبين له أنه الحق، فلما أسلم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، يعرفهم، أليسوا قومه؟ أليس منهم؟ إن اليهود قوم بهت، ثم إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت – أي اختفى بعدما أسلم ولم تعلم اليهود بإسلامه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟) قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرأيتم إن أسلم عبد الله) قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه.


وقد افتر اليهود على مريم قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ سورة النساء 156.البهتان: الكذب المفرط الذي يتعجب منه، افتروا عليها ، بأنها وقعت في الفاحشة وأنها بغي، ولكن برأها الله بنطق عيسى، فرد الله تعالى فريتهم، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج كان يصلي جاءته أمّه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي ، فتكرر ذلك فتضايقت أمه، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات وكان جريج في صومعته يعبد الله منقطعاً عن الناس، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، سألوها من أين هذا؟ قالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، أنطق الله الغلام، فشهد ببراءة جريج، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين.أعيدوها كما كانت ، وبينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، ترك الغلام الثدي وقال : اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع إلى الثدي، ومر بامرأة تجرر، بأمة فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقال: اللهم اجعلني مثلها فقالت له ذلك، وقد تعجبت أشد العجب من نطق الرضيع، قال: أما الراكب فإنه كافر، أو جبار وأما المرأة فإنهم يقولون لها: سرقت ولم تسرق، وزنيت ولم تزن، وهي تقول: حسبي الله.
قال النووي رحمه الله معلقاً على القصة: “إنما سأل ذلك لا لأن يكون متهماً ولكن ليكون في براءتها ونصاعتها، لم يسأل أن يكون متهماً وإنما سأل أن يكون في مثل حالها براءة ونصاعة”. وقال عز وجل في كتابه العزيز: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾النساء 112.فبعض الناس لا يكتفي بفعل السيئة، حتى يضيف إليها سيئة أخرى، وهي أن يلصقها بالبريء، يسرق ويتهم غيره بالسرقة، يقتل، ويتهم غيره بالقتل، وهكذا، فنزلت الآيات في قوم سرقوا فألبسوا التهمة بغيرهم، وجاء من يجادل ويدافع عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآيات في الدفاع عن البريء، وبيان عاقبة الذي يفتري الكذب على البريء ، وقد حدثت عائشة رضي الله عنها عن امرأة كانت تأتي إليها، سوداء، أمة، وتقول كلما جلست عندها:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
فسألتها عائشة: كلما جلست تقولين هذا؟ فقالت: إنها كانت لحي من العرب، أمة فأعتقوها فكانت معهم، فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، خيطان من اللؤلؤ، فوضعته أو وقع منها، فمر به حدياة، -حدأة- وهو ملقى فحسبته لحماً فخطفته، فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، وكشفوا عورتها، هذه المظلومة المسكينة، تقول: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم، وفي رواية: فدعوت الله أن يبرأني، فجاءت الحدية وهم ينظرون فألقته بينهم، فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم، وأنا منه بريئة، وهو ذا هو وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمت. اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين .