غير مصنف

حوار من القلب الى القلب مع الكاتبة الجزائرية سليمة مليزي:

متابعة /خالد زين الدين

س1) سليمة مليزي متعددة المواهب.. كيف تستطيعين أن تقدمي عملاً إبداعياً ضمن ما تعيشه من تناوب فكري بين أجناس أدبية مختلفة (شعر، قصة، مقالة..)؟


ج1) الإبداع هو غذاء الروح ، تجربتي في الإبداع من شعر قصة وقصص للأطفال ، والمقالة الصحفية، وحتى أدب الرحالات ، حيث سجلت 8 حلقات في ألإذاعة الوطنية القناة الأولي، ونشرت معظم ما كتبت عن رحلاتي حول عواصم العالم ، في جرائد ورقية وطنية وعربية ، ما يؤلمني ويثير اهتمامي هي قضايا المجتمع، وخاصة الطفل والمرأة وما تعانيه الأسرة من تفكك وتهميش، خاصة بعد العشرية السوداء ، التي تفككت فيه العائلة ،وتراجعت التربية في المجتمع ، وتفشي الجريمة بكل أنواعها ، هذه الأحداث تؤلمني جدا ،وتثير اهتمامي ، وأحوال أن اشفي غليلي في الكتابة ، اعتقد أننا ما ندونه من أحداث هو بمثابة رفض للوضع ، او الدفاع عن المظلوم ولو بكلة طيبة يمكننا أن نثير الرأي العام ، لذالك على عاتقنا مسؤولية كبيرة إزاء هذا المجتمع .
الأقرب إليّ هو الشعر والقصة ، لأنني أعبر فيهما بإحساس عميق ، الشعر حالة حميمية بيني وبين نفسي ، وما يفرحني هي شهادة قرائي الذين يجدون انفسهم في ما اكتب ، وهذا هو النجاح ، أن تصل إبداعاتي إلى قلوب الآخرين ، فتعتبر قفزة قوية في طريق النجاح ، لأننا نكتب لنخبة أولا ثم للنقاد ،ويأتي دور القارئ هو المهم بالنسبة لي ، أما القصة فهي التي أعبر فيها عن ألآم الآخرين ، وأكتب قصص من الواقع المرير ، لكن تبقى قضيتي الجوهرية هو أدب الطفل الذي أدافع عنه من أجل أن يجد مكانته في عالمنا ، لان تربية النشأ من ألأسس لإنشاء جيل متعلم يحمل مشعل العلم والتربية والأخلاف ، لأننا للأسف في العالم العربي كله ، هناك تهديم للقيم الإنسانية ، وتفكيك الفكر التنويري للمجتمع بطريقة جد مؤلمة ، حيث لم نفكر في بناء الإنسان ؟ بناء الإنسان يبدأ من الطفل ، ولكي نصنع مجتمعاً متعلماً واعي خالي من الرجعية والتخلف والأنانية ، يجب إعادة بنائه منذ المهد بناءً صحيحاً ، وهو ترسيخ العلم وحب الكتاب والمطالعة في أذهان الأطفال ، وأدب الطفل في الجزائر مازال بعيدا عن كل هذه المناويل للأسف ؟

س 2) الكلمة مفتاح التعبير والتغيير والتنوير: هل تساءلتِ يوماً لما اتجهت للكتابة؟ وهل وجدت إجابة شافية خصوصاً وأنك عدت لهذه المغامرة بعد انقطاع استمر 23 عاماً؟
ج2) الكتابة أو الابداع هما موهبة بالدرجة الاولى ، لكننا نسقلها بالقراءة والعلم والمثابرة والبحوث ، والتجربة بعد كل هذه السنين ، للأسف لم أجد إجابة وافية ، لا لأنني لازلت أبحث عن ذاتي داخل هذا الكم الهائل من الاحاسيس والافكار التي تولد مع كل محنة أو تجربة أو الآمٌ أو خيبة أمل أو كبوة ، عبثاً حاولوا أن يكسرون ظهري وصادفتني من أناس لا يعرفون قيمة المبدع ( خاصة في الجزائر ) ،
لازلت ابحث عن ثغرة اخرج منها الى النور ، وأنا أكتب بكل قوة حتى يخرج المجتمع الى النور ؟ لا اخفي عليكم الكتابة عبء ثقيل جدا ومؤلم حد الوجع لكنها غذاء الروح ، ومتعة لا تقاوم ، وجريمة نرتكبها في كل مرة حتى تثبت ادانتا لها ، التعري الروحي لكتابة هو في حد ذاته انتصار لنا ، الاجابة الشافية سيجدها قارئ يوما ما ، لأنني لو أجد الاجابة سأتوقف عن هذا التمرد الذي يسكنني في الكتابة ، حينها سأنتهي للابد ؟ عودتي للكتابة معجزة ، قصة طويلة ومؤلمة ومفرحة في آن واحد ؟

س3) تمسكك بالقصة القصيرة رغم طغيان الرواية –ربما- سببه عصر السرعة، فالزمن الذي نعيشه يتطلب سرعة البديهة في مواكبة الأحداث وتحليلها واستيعابها ومن ثم تمرير رسائله بإيجاز.. ما رأيك؟

ج3)القصة القصيرة هي مفتاح للرواية ، وعلماء الادب يقولون أن القصة أصعب من الرواية ، نظرا لما تحمله من تكثيف في الاحداث ، الرواية تربعت على عشر الفنون الادبية ، اذا تحدثنا عن عصر السرعة فأننا نجد من يحتل افكار الناس خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، هي القصة القصيرة جدا ، أو القصة الومضة وقصيدة الهايكو (والتي خُذتُ تجربةٌ كتابتها ونلْت عدتّ جوائز عربية، وأيضا شاركت في لجان التحكيم لمسابقات عربية في القصة الومضة ) قلت خاصة ما ينشر ، وخاصة موقع التغريد المصغر (تويتر)، الذي يتيح مجالًا محدودًا لكتابة نص لا يزيد عن 140 حرفًا، بات إيجاد نص قصير مدهش يتجاوز القوالب التقليدية، أمرًا ملحًا ومطلبًا ضروريًا، لمواكبة وتيرة الحياة المتسارعة واستجابة لروح العصر. فهل الزمن القادم هو زمن السرد الوامض أو القصة اللقطة أو القصة الومضة ، أم أن السرديات الطويلة ما زالت تحظى بعقل وروح القارئ؟ أم حظ الرواية من الانتشار وخاصة ظاهرة جديدة الاقبال الكبير على كتابة الرواية من طرف الشباب ، أعتقد أن هذا راجع للأعلام وما يلعبه في الاهتمام والترويج للرواية ، وايضا المسابقات الدولية التي أصبحت تغري الكتاب فقط من أجل نيل الجوائز ؟
لكن تبقى الرواية هي المحور الأساسي لكتاب التاريخ ، وأنا أقول أن الروائي الحقيقي هو الذي يؤرخ حقبة معنية من تاريخ وطنه ، وبالتالي يساهم في كتابة التاريخ بكل تفاصيله ، كما قرنأا نحن لكبار الكتاب العالميين الذين رسخوا في اذهاننا تاريخ امتهم بكل تفاصيلها ،

س4) مع ذلك الكثير من الكتاب توجهوا إلى الرواية. لماذا لم تغامري في الرواية؟

ج4) للأسف هناك الكثير من كتبوا الرواية حتى البعض يطبع كل سنة رواية ،
بينما أجمل الروايات عالميا أخذت من الوقت الطويل للصدور ، لأنها تحاكي قصة أجيال كاملة، وهذه الاعمال هي التي تبقى خالدة ولا تزول ، يجب أن نقيم افضل الروايات عبر العالم ليس ما ينتجه العالم العربي فحسب ، حتى نقيم انفسنا ، هناك روايات الاكثر مبيعا في العالم وفي جميع الاوقات منها ( شفرة دافنشي) وهي رواية تشويق وغموض, من النوع البوليسي الخيالي, للكاتب دان براون, وقد نشرت عام 2003 لكنها حازت شهرة سريعة وعالمية, وتُرجمت إلى أكثر من 50 لغة حتى الآن, وتدور أحداثها في فرنسا وبريطانيا حول اختراعات دافنشي ورموز دينية معينة ورحلة بحث جنائية تتضمن الكثير من الألغاز وفكّ الرموز التاريخية المبنية طبعا على الخيال, تقع الرواية في 600 صفحة، و ( وحلم القصور الحمراء ) وهي رواية صينية ، ( سلسلة هاري بوتر وحجر الفلاسفة ), وهي من أشد الروايات شهرة في الوقت الحالي، اما في الروايت العربية فاشهرا

س5) الكتابة للأطفال مسؤولية تتطلب الكثير من الدقة والمعرفة للولوج إلى عالم الطفل.. ما المعايير التي تراعينها في هذا النمط من الكتابة؟ وهل تستثمرين تجربتك كأم لجذب الطفل لقراءة نصوصك خصوصاً وأن استقطاب القارئ الصغير بات صعباً في زمن الانترنيت والجوالات والرقميات؟
ج5 الكتابة للطفل هي من أصعب الفنون الابداعية ، لأنها تتطلب منا الكثير من الدقة والحكمة ، والتركيز في ما نقدمه له ، لأن الطفل هو صفحة بيضاء ، ويجب ان نحترس في اختيارنا له من مواضيع مهمة جدا تحتوي على تربية سليمة ، وافكار قيمة ، المعايير التي اختاره للطفل هي عديدة، واولها اللغة السهلة ، الفكرة التي تترك الطفل يستفيد من القصة ، التشويق ، والمغامرات، أحيانا لان الاطفال يحبون الغوص في الخيال ، أهمية القصة في حياة الطفل ، مثلا: توظيف الشر والخير ، مساعدة الضعيف ، التعايش السلمي بين الافراد ، طرح فكرة الاندماج الاجتماعي لأنه مهم جدا في تكوين شخصية الطفل ،بناء الانسان، الحوار ، توظيف العلوم والتربية والمعرفة في القصة ، الاخلاق الحميدة التي يحث عليها ديننا الاسلامي الحنيف ، وانا دائما أوظف أهمية العلوم في حياتنا، كأهمية الماء والهواء ، والفصول ، والتكنولجيا الحديثة وكفيفة استعمالها استعمالا عقلانية ومفيد للطفل ، تجربتي كام اكيد اضافت لي الكثر في تربية أبنائي وتوجيههم توجيهاً صحيحا وأُحثُ في مواضيعي الدفاع عن المرأة والطفل ،على الحوار بين الاولياء وابنائهم لانه مهم جداً في تربية الطفل تربية جيدة وسليمة ، لان الطفل يحتج لاكتساب شخصيته من محيط متعلم وواعي كالأولياء ، ثم تأتي المدرسة والشارع، وهذا الأخير لا يرحم فاقد الشيء لا يعطيه .
س6) الشعر هو نوع من الاتصال بالآخر.. كيف للشاعر أن يكون ملهماً ومن ثم يكون قادراً على مد جسور التواصل مع المتلقي ومشاركته وجدانياً؟
ج6)الشعر هو احساس عميق يخرج من وجدانيات الروح ، ويعبر عن حالات نعيشها يوميا ، الالم ، الحب ، الغضب ، الحب ، التمرد أحياناً على مطبات الحياة ، يمنحنا ايضا القوة الصمود ، يبكينا ، يوجعنا ، لا نه يخرج من كينونتنا اشياء صعبةٌ التكهن بها ، الشعر أيضاً بمثابة تأريخ حقبة معينة من الشعوب ، هناك الياذة هوميروس الخالدة التي ارخت حقبة جد مهمة من تاريخ اليونان ، ملحمة شعرية تحكي قصة حرب طروادة وتعتبر مع الاوديسيا أهم ملحمة شعرية إغريقية للشاعر الأعمى هوميروس ، ايضا شعراء المعلقات في الشعر العربي ، والياذة الجزائر لشارع الثورة مفدي زكريا ، وما تركه من ارث عميق في نفوس القراء الشاعر الكبير نزار قباني ومحمود درويش والعديد من الشعراء.
لذالك الشعر هو من يحاكي للأخرين حياتهم ويعرفهم بخبايا احاسيسهم من خلال ما يبدع الشاعر ،أنا مثلا الحمد لله عندي قرائي معظمهم شباب ، خاصة طلبة الجامعات ، تفرحني شهادتهم حين يقرئون قصيدة ويقولون لي أنهم وجدوا انفسهم فيها ، هنا نستطيع أن نقيم ما نكبته لأنه يصل الى القراء بشكل جميل .

س7)حدثيني كيف يولد النص لديك؟ وهل لديك طقوس معينة قبل وأثناء وبعد الكتابة؟

ج7 ) النص الشعري خاصة ، يولد في لحظة انصهار الذات مع الفكر ، ليس له مواعيد ولا توقيت ولا حتى انذار مسبق ، يعلن التمرد على فكري في اي لحظة ، يأتي الى الوجود ، هي حالات الولادة الاصعب في حياتنا ، لأننا نتلبس بها ونحن تائهين في هذا العالم المليء بالمخاطر والضجيج ، وفوضى انفسنا التي تعاتبنا كثيرا ، النص الابداعي هو بمثابة جريمة نتلبس بها في لحظة حرب وسلم ، وحب وتعايش مع الحرف، وخصام أحيانا مع الاخرين ، لأننا نصبح اكثر عدوانية حتى تلد القصيدة حبلى بالفرح والحب ، ليس لدي طقوس معينة ، حين يأتني الالهام اكتب وانا في المطبخ ن في السيارة في اي مكان يعيرني قليلا من الانس والطمأنينة والفرح ،

س 8) الحديث عن ثنائية العلاقة بين الشاعر والمتلقي يثير عدداً من التساؤلات، لكن في ضوء تجربتك هل تعتقدين أن القراءة الشعرية المباشرة ضرورية للشاعر لتفعيل خطوط التواصل مع المتلقي؟ وفي هذا الإطار كيف يستطيع الشاعر تحقيق المعادلة الصعبة بين التأثير الجماهيري والنضج الفني؟

ج8) صحيح هي معادلة صعبة بالنسبة للمبدع ، لان البدع في طبعه يحب الانزواء بعيدا عن الجمهور ، لان مسؤولية اللقاء بالقاري هي من أصعب الصدمات التي يتلقاه المبدع ، يجب عليه ان يقنع المتلقي بكل ما يملك من فوضى وحرية وجرأة ايضا ن لان هناك فارق كبير بين ان ينشر القري اعماله وتقرا ، وبين ان يلتقي جمهوره وجهاً لوجه ، هنا يجب على المبدع ان يكون قد مسؤولية القاري الذي منحه الفرح والثقة والقوة ، لذالك هي معادة صعبة وتحتد الى وقت طويل أو قوة التعايش مع القاري بطريقة اكثر نضجا وحباً ، ومنحه ايضا الكثير من العطاء الذي والحب الذي كان يقرأه القارئ في قصائده الحالمة الجميلة ، القوية التي عبرت عن ذاته ومنحته القليل من الفرح والامل .

س 9) ما الذي دفعك لخوض تجربة الكتابة المشتركة مع الشاعر السوري معتز أبو خليل في ديوان(رماد الروح)؟ وكيف وجدت هذه التجربة؟
ج9) تجربتي في الديوان المشترك هي كانت بمثابة قفزة جديدة في مجال الابداع المشترك ، وكانت نهضة جديدة ، جمعت العديد من المبدعين العرب بعدها في خوض هذه التجربة التي أصبح اليوم منتشرة بشكل كبير تجمه نخبة من المبدعين العرب في كتاب واحد .
س 10)دواوينك الشعرية تنضح بالبهجة والتفاؤل ومحبة الإنسان.. هل ما زال المبدع العربي قادراً على صناعة الخير والسلام رغم ارتباطه الحتمي بالمتغيرات المعقدة الجارية حوله من عنف وتطرف وإرهاب؟

ج 10) الحمد لله أن دواويني الاربعة نجحت ولو بشكل قليل بالنسبة لي ، لكنها لقت استحسان واعجاب كبرين من طرف القارئ وخاصة النقاد العرب والطلبة ، المبدع العربي يمشي مع عصره الجريح ، للأسف ، اصبحت جل الاعمال تعيش الكبت ، خاصة بعد موجة التطرف الديني التي غيبت الحب بين الناس ،والحروب الدامية والتشرد للإنسان العربي والموت والقتل والارهاب ، مسكين هذا الجيل الذي ولد في مثل هذه الظروف القاسية والصعبة ، التي غيرت مفاهيم اللغة والمعيشة المريحة ، فاصبح الكبت للتعبير عن الفرح والحب نادرا عند المبدع العربي ،وإن وجد يحارب من طرف البعض ، فأحياناً اقرأ قصائد أجد فيها الحزن والغم ما يخنق الانفاس، لم تعد تلك القصيدة المفرحة المعبرة التي تثلج الصدور كما كنا نقرأها عند نزار قباني ، انا هجمت من طرف البعض عن جراتي في التعبير عن الحب في قصائدي ، قلت لهم لحمد لله أنني عشته وأعبر عنه بصدق ، لذالك العاتق عل المبدع كبير جدا لصنع الفرح للقارئ العربي الجريح ، ونعيد عهد نزار وقصص الحب الخالدة ، لا اعتقد أن جيلنا ستؤرخ له قصص الحب الخالدة التي شهدتها العصور والحضارات القوية عبر التاريخ .؟