ثقافة و فن

عمر العسري يكتب: القصة المرئية عبر الفوتوغرافيا في مجموعة ” مصحة الدمى” لأنيس الرافعي

2016-635878656795619717-561_main

تثير الكتابة القصصية العربية الجديدة مشكلة النوع الأدبي بصورة مستمرة، ويبدو أن هذه المسألة أصبحت هاجسا مساوقا لفعل الكتابة القصصية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ يتضح من متابعة ما صدر من مجموعات قصصية، أن هاجس خلق كتابة تختفي فيها الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية، والفنية يلازم بعض القصاصين العرب في الوقت الراهن.

يتبلور هذا الهاجس في انفتاح النص القصصي على حوامل وسنادات غير نصية،خاصة منها البصرية التي تتمتع بقيمة جمالية ودلالية. وقد أولى القاص المعاصر للشكل الكتابي والإخراج البصري لكتاباته اهتماما ملفتا، وحظوة متقدمة، فاندمج النص بالحامل، وتداخل المقروء بالمشاهَد، وتبادلت الأدوار، وبمقتضاها أصبحنا حيال نص داخل نص، في بنية علائقية جد متشابكة.

يأتي هذا التأطير فيما يقترحه علينا القاص المغربي أنيس الرافعي من خلال مجموعته

” مصحة الدمى “1 . والمتتبع لكتابات أنيس الرافعي سيلحظ فيها انعدام الحدود مع الفنون والعلوم، بحيث في كل تجربة كان يهدم القصة بغاية اكتشاف ولادة جديدة لها، من خلال أداء مغاير تماما، وقد تأتى له هذا المبتغى عبر منجز قصصي فسيح.

إن الكتابة القصصية بهذه الرؤية لا تمارس، في اعتقادنا، حريتها في القول والتعبير، وإنما تلتزم بالتصنيف المحدد للمجموعة، وهو (فوتوغرام-حكائي) يفسر لنا هذا التعاقد أن النصوص عبارة عن تكثيف/منظم لصور ذات طبيعة حكائية. وبتقنية المونطاج الفيلمي المهيكل للشريط الفوتوغرافي. فتدل كل صورة على وحدة حكائية تنبني فيما تعزله بقصد خلق رؤية تمّ استئصال منطلقاتها من فضاء المشفى (الأجنحة) المنضوية تحت مسمى قسم الأشعة.

لا تلتزم مجموعة ” مصحة الدمى ” بالبنية القصصية التقليدية، بل تقطع العلاقة مع البنية التي ترسخت في قصص يوسف إدريس،وسعيد الكفراوي، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وزكرياء تامر، وعبد الستار ناصر، ومحمد زفزاف…إلخ، وتبتدع قصصا خارجة تماما عن الشروط والقواعد التي تأصلت وامتدت فيما بعد.

إن مهمتنا القبض على ما ينتظم داخل هذه المجموعة التي انطلقت من نمذجة مرجعية تتكون من مكونين هما: الحكاية والفوتوغرافيا . وينبني هذا التصنيف على طبيعة المتخيل الذي تستلهمه المجموعة في تشكيل عالمها الحكائي، فالمتخيل في القصة يندمج فيه الاجتماعي ، والنفسي، والرومانسي، والرمزي، والبصري. من هنا سنلحظ بأن المجموعة لا تقدم تصويرا نفسيا عميقا للشخصيات فحسب، بل تشكل واقعا غير واقعي، معزولا ومبالغا في تصوير شذوذه.

” قسم الإرشادات ” عنوان تفتتح به المجموعة مسارها الحكائي، ورغم كونه عنوانا غامضا إلا أنه يشفع لذاته بمواصلة النبش عن الدلالات الثاوية فيه. وتحت مسماه. إذ نقرأ بعده مقتبستين؛ الأولى لسوزان سونتاغ، وفيها تنطلق الباحثة الأمريكية من مقايسة رهيبة تؤالف بين رصاصة المسدس، وصورة آلة التصوير، ويمكن تفسير هذه المقايسة كون العضو المصور هو نفسه عضو القاتل (الأصبع) وليس العين2.

أما المقتبسة الثانية فهي للقاص الأوروغواني فلسبيرطو هرنانديت، يصف من خلالها وضع عروس مع مضاعفها المتجسد في دمية، وبحسب السارد فإن حدود التناول السردي للعنصر متأرجح بين الشيء والكائن.

ونقرأ بعد ” قسم الإرشادات ” عنوانا مربكا ” فوتومونتاج سردي” بعده مباشرة نقرأ مدخلين بمثابة خطابين للحراسة : الأول موسوم ب ” النسيجة “، وفيه يعمد الكاتب إلى تقديم تصوره النظري والجمالي حول عنصر الدمية والكتابة عنها ، لأنه يرى فيها مجموعة من الظلال البديلة لشخص آخر3. ويسوق في المدخل الثاني الموسوم ب ” مدونة الدمى ” تعريفات اصطلاحية اقترنت بالدمية في شتى وظائفها التاريخية والوجودية والفنية و الطقوسية و الدينية والتجارية .

تنفتح إذن، مجموعة ” مصحة الدمى ” في حالتها البدئية على هذين المدخلين/ العتبتين باعتبارهما مجالين مقترنين بالكاتب، وبالخلفية التي أطرت اختياره التجريبي، وليس ميدان البحث في الدمية اصطلاحا ووظيفيا ميدانا يسيرا، بل يشي بموجة تعاريف ومعطيات أبدى فيها أنيس الرافعي قرارا حاسما لأنه يرى في الشيء/ الدمية وسيطا وجوديا، وليس عنصرا فارغا، بل قد تكون، من وجهة نظره السردية، جسدا جديدا يتقمص في كل مرة هوية مختلفة باختلاف مادته (ورقية/نسيجية/ بلاستيكية/ خشبية).

يقدم لنا الكاتب في الحيز الثالث المعنون بـ ” حكايا ت الفوتوغرا م ” تشريحا طبيا لمتعلقات الجسد البشري، مستعيرا من فضاء المشفى ما يخدم ” فوتوغرامه الحكائي”، وجاعلا أجنحته القصصية تحاكي أجنحة التشخيص والعلاج (الغصّص، الأورام، الهلاوس، العاهات، الشظايا، الفصام، والعدم) وكل جناح تترأسه صورة فوتوغرافية. ونحن لا نعتقد أن توظيفها جمالي أو تزيني أو حتى بيداغوجي، وإنما تفاعلي مع النص المكتوب. وسنكتشف كلما تقدمنا في الإنصات إلى النصوص وتأويل بصريتها، أن السرد يخلق حوارا مع الفوتوغرافيا، ولعل هذا الجمع بين المنبه البصري والعلامة اللسانية في النص على حد تعبير السيميائيين، قد قوبل في حيز الفوتوغرافيا بالعناوين والتعليقات، فتكون الصورة في تعالقها وحوارها إما إضافة دلالية أو تفسيرا بصريا، ولكن هل الفوتوغرافيا تختصر تعقيدات الحياة وتناقضاتها كما هي مبثوثة في القصة؟ هل في هذه الفوتوغرافيا ما يساعد على قراءة الحكاية؟

سؤالان لم يزدهما أنيس الرافعي في مجموعته إلا أسئلة أخرى أشد التباسا ، فالصورة الفوتوغرافية لا تختصر شيئا، ولا تختصر التعقيدات أيا كانت، الصورة لم تكن يوما تبسيطا للواقع، ولا تبسيطا لأي مشهد مهما كان، أقول هذا وأومن بأن الصورة مفتوحة على الممكن والمستحيل، ولا تختصر بقدر ما تقتل لحظات قبلية وأخرى بعدية.

يحدث هذا في الكتابة أيضا، فلا يعود الطقس الذي تخلقه ” مصحة الدمى ” منفصلا عن الفوتوغرافيا، ما إن تغادر الحيز المكتوب حتى تواجهك الصورة، وكأنهما يندمجان، لا يتشابهان ولكن بينها علاقة شبه من وجه، هو وجه الناظر عبرهما.

يملك أنيس الرافعي حسا عميقا بالتصوير الفوتوغرافي، وبالكلام المفتوح عليه، وعلى الصورة السينمائية، بحكم تكوينه ” السينيفيلي ” ومشاهداته الواسعة ل ” سينما المؤلف ” ، ومن تم يأتيك هذا الكل البصري في تحويل قصصه إلى صورة بما يشبه سردنة لهذه الصورة الفوتوغرافية. يقدم لنا السارد في نص “جناح الغصّص” تشريحا لمعنى الحياة، مستخدما تقنيات التقطيع المشهدي المسنودة بالوصف والحوار والنجوى الداخلية، ليجلو هذه الحالة الفريدة التي يستغرق فيها البطل.

حالة يتوزعها أربع وثلاثون مقطعا كأنها ضغطات سريعة وخاطفة ومسترسلة على مكبس كاميرا تصوير . يقول السارد:

« 1- مصباح الإنارة العمومي المعطل منذ أسبوع كامل، والباحة الخارجية الخالية من السالكين في هذا الوقت المتأخر من الليل، والحديقة الجرداء حد الوجع بعد وفاة البستاني العجوز جراء حادثة سير بليدة.

2- جميعها، متقطعة، ومتلاحقة على نحو متعاقب، شأن صور فوتوغرافية تمرق على التوالي عبر قناة مسلط ضوئي، تعمق بداخلي حالة الفقد، وتقول لي كم هو رتيب وكم هو دائري هذا الوقت المتأخر من دونك…..»4.

يتضح لنا من خلال النص وسياقه أن الحدث القصصي مجتزأ ، ولكنه يُستثمر على نحو اندماجي جد منصهر في بعضه البعض. وكأنه حدث في لحظة زمنية سريعة. فزاوية الرؤية التي ينطلق منها السارد، في هذا المقطع، وقد أجزم في المجموعة ككل، تحدد المسار القصصي باعتباره مقطعا فضائيا وكأنه فوتوغرافيا، وأيضا تعبيرا مرحليا في زمن محدد، وهذا الطرح نفسه الذي جاء به غابرييل بوري في سياق حديثه عن المصور الأمريكي أوجين سميت، الذي جعل صوره الفوتوغرافية تخلق نمطا بصريا حكائيا5. وقد ينطبق التصور ذاته على قصص المجموعة إذا سلمنا بأن الكاتب كان يحاكي الفن الفوتوغرافي ليس من باب استدعاء صور فحسب، وإنما من محاكاة مهمة الفوتوغرافي في ما أسماه غابرييل بوري بأهمية المشاهدة l’importance du regard6.

تمتد هذه المشاهدة ذات الحس البصري، لتؤول بحس بصري طبيعة المناجاة، فتستعيد الحوارات التي تمت وتحققت، وإن بدت كلها تؤثث مجالها من: العتمة، والشرفة، والبرد، وزجاج النافذة، والانتظار، والرجل الغريب، ولكنها تمتص من صورة الفنانة الفوتوغرافية الصينية ليوجيا قساوة اللحظة؛ المتجسدة في يد آدمية تخنق دمية، فينغرس الإبهام في وجه الدمية.

تخلق قصة “جناح الغصّص” عوالمها من هذا التماهي بين ذاتين، وجسدين، وعتمة، فالنص يتمثل مشهدا دراميا، وفي معظم فقراته نجد حضورا فيزيقيا لفعل التماهي، فبالرغم من هيمنة التجربة الحسية وتلذذ السارد بإعادة وتكرار مشهدية السرد باختلاق عناصر جديدة للوضع الموصوف، فإن الحضور الفيزيقي منتف لأن الإحساس بالألم مقرون بكل عناصر المشهد وهو يتردد في الذاكرة، وتتمثله الإيحاءات المتصلة بعنصر الدمية التي جاء المقطع الرابع والثلاثون مبأرا عليها ومتداخلا مع صوت نسوي مستفز ومربك للسير غير الطبيعي للنص: «34- هناك حيث ستجدني رابضة كالوديعة قرب النافذة أمام أهداب الستارة الزرقاء المخرّمة بأعقاب السجائر، هناك حيث ستجد دميتك القديمة الكالحة، التي كنت قد أخفيت في حشوتها، بين ثنايا القطن ومزق القماش، كل أوراق يومياتك السرية التي لن يقرأها أحد.»7.

يؤمن الكاتب من خلال هذه القصة وباقي القصص، بأن كل المواضيع هي، من ناحية المبدأ، حجة لممارسة الطريقة الفوتوغرافية، وبأن الرؤية البصرية للأشياء وللمواقف تكون أشد وضوحا في الموضوع السردي، فأفضل ما يظهر إمكانية القصة لديه هي الرؤية إلى درجة يمكن عرض الموضوع بصور سردية؛ أي لا تتجاوز سلسلة من اللقطات اختارها الكاتب بأن تكون مغلقة/ كلوز.

يضطلع الوصف في المجموعة بمهمة جسيمة لأنه، في اعتقادنا، يتيح إمكانية أخرى لإعادة تأهيل القصة بصريا عبر منظورات تتصل بالتسجيل والتوثيق والتوغل في اللحظة الملتقطة. وكأن هذه اللحظة مصورة بآلة تصوير.

قد نجازف إذا ما قلنا بأن اللغة الموظفة في المجموعة، وخاصة في بعض الفقرات ذات طبيعة تقنية. نمثل لهذا بما جاء في قصة “جناح الهلاوس”. يقول الراوي: «[…]عثر فتى يافع في أرض خلاء على مفكرة قديمة مسفرة بجلد غامق اللون أتلف البلى نضارته. وعندما فتح دفتي هذه الوجادة التي يعلوها الغبار، ألفى أوراقها مصفرة تفيض بحروف ضئيلة ضيقة. حروف دونت بخطوط مائلة مرتجفة…»8.

يقدم لنا هذا المقطع وصفا انعكاسيا على حد تعبير فيليب هامون9 . تنعكس فيه أهواء الشخصيات من جهة، وأهواء العناصر المستدعاة من جهة أخرى، ولذلك كان الاختيار والفرز في الجزئيات وفي توصيف المفكرة جليين في الوصف. من هنا ينهض السارد بالوصف على ركح النص بغاية جلب اهتمام القارئ إليه، وذلك بأن يبادر للمضي إلى ما وراء الاهتمام ، والى ما وراء السرد ، ومعينه الوحيد هو الصورة الفوتوغرافية المجاورة للنص.

الأمر نفسه نجده في قصة “جناح العاهات”، فالأنا المتكلمة تصف لحظة مطبوعة بأوصاف تخدم غاية الموقف. يقول السارد: «في المسافة الفاصلة بين نزولي من التاكسي الأحمر الصغير، ووصولي إلى مدخل العمارة، اصطادني على حين غفلة من السماء التي شقها البرق، وابل مطر غزير، ثم خلف هندامي بمظهر شائن. لحسن الحظ من المحتمل أن لا يلمحني في مثل هذا الوقت المسائي المتقدم جدا أي أحد من الجيران الموهوبين بقريحة السهر في الشرفة أو التلصص من النافذة، كما من المرجح أن لا أقع تحت طائلة نظر حارس السيارات الذي لا تنجو من كمائنه الليلية شاردة أو واردة»10.

المتحقق في هذا المقطع، أن الوصف يخدم الموقف كما يخدم الضوء التقاط الصور. فالشخصية المتكلمة تُحدد مقروئيتها من اتساق اللحظة التي تحتم أن يكون الوصف في خدمتها، وهذا يفضي إلى تقنين وظيفة رسم الأجواء والمتعلقات، بل إلى تنظيم الكتابة تنظيما دالا. وحتى يكون الرسم مقبولا فإن الشخصية المتكلمة تخلق فرادتها من حسها النقدي للدقائق والجزئيات، ومن حدود الملاءمة بين الأشخاص والأشياء وأحوال النفوس.

إن هذا التماهي بين الوصف والتصوير جعلنا حيال مجموعة قصصية ترقب الأشياء بحدة، لا تنقل واقعا مباشرا، ولا تصور مشهدا إنسانيا، ولا تسجل لحظات معينة، إنها بكل شجاعة تقوم بتقييم العالم وتعديله ، فصار من الواضح أن المجموعة كتبت برؤيتين كتابية وبصرية في الآن، وهما معا قد تفاعلا مع طرق جديدة لحياة الناس، التي انطلق منها الكاتب بأسئلة حول قضايا وجودية وجمالية وأخلاقية.

إن أنيس الرافعي، في أدائه القصصي الجديد هذا، وكما عودنا دائما ، كان يحمل معولا بصريا يروم تغيير مشهد أو لقطة أو صور عبر الوصف، لأنه في كل نص من نصوص المجموعة كان يستدرج الفوتوغرافيا من بنيات نصية ملفوظة ومكتوبة، فقد فضل في هذه التجربة بأن يعلو على الحكي بالصورة الثابتة، وسعى جاهدا إلى عدم الوجود ببطولة رؤيوية11.

**د. عمر العسري ( ناقد من المغرب )

الإحالات:

1- أنيس الرافعي، مصحة الدمى- فوتوغرام حكائي، دار العين للنشر- مصر، ط/الأولى، 2015.

2- رولان بارث، العلبة النيرة، ترجمة إدريس القري، كتاب مجلة فضاءات مستقبلية- الدار البيضاء، ط/الأولى، 1988.ص.17.

3- أنيس الرافعي، مصحة الدمى- فوتوغرام حكائي، م م، ص. 19.

4- نفسه، ص. 41.

5- Gabriel BAURET, Approches de la photographie, Ed NATHAN-PARIS, 1992, p. 38-39.

6- Ibid,p. 72.

7- أنيس الرافعي، مصحة الدمى – فوتوغرام حكائي، م م، ص. 48- 49 .

8- نفسه، ص. 69- 70.

9- فيليب هامون، في الوصفي، ترجمة: سعاد التريكي، بيت الحكمة- قرطاج، ط/الأولى، 2003. ص. 40.

10- أنيس الرافعي، مصحة الدمى – فوتوغرام حكائي، م م، ص. 85.

11- تتفق سوزان سونتاغ مع رولان بارت في كون الصورة الفوتوغرافيا لحظة زمنية تغير رؤيتنا للعالم، وبما هي عدم للزمن. (رولان بارث، العلبة النيرة، م م. سوزان سونتاغ، حول الفوتوغرافيا، ترجمة: عباس المفرجي، دار المدى- العراق، ط/الأولى، 2013.)