موطني والغربة

هدى خالد القطان 

مملكة السويد

موطني بات بلدا”أمنا”يسوده السلام والأمان ،موطني دفئ وحنين وذكريات لم يعد لها وجود ، موطني عبق التاريخ والأصالة وياسمين الشام والكبادة والنارنجة والبحرة قي ارض الديار .

موطني بات صغير بالكاد يحتويني أنا وطفلتي . موطني هو ثلاثة جدران وسقف يأويني وباب اقفله على نفسي لأستمتع بالسكن والسكينة والحرية المطلقة بالقرارات والتصرفات نعم ياسيدات وياسادة هذا هو مفهمومي اليوم عن وطني وموطني الذي تغنى به الشعراء والكتاب وسجل التاريخ عظمته وسحره بمنحوتات على ابواب المساجد والكنائس والقلاع . أكاد أجزم بأنه لايوجد في الأرض أجمل من وطني بصغر حجمه وروعة دفئه وسحر هدوءه والراحة المنبعثة بإحتوائه لكل تفاصيل أيامي وأحلامي .

موطني في الغربة : معادلة معقدة بسيطة مقبولة ممنوعة سهلة وصعبة نعم إنها كذلك تغمرني الفرحة والسعادة بعد قرار الرحيل من هنا والاستقرار في ام الدنيا مصر . كنت متلهفة قبل ان تنتابني مجموعة من المشاعر الفضوية التي تفرض عليا حالة عجيبة غريبة . أحاول إسكات الاصوات والافكار المنبعثة داخل رأسي

،أكاد أصاب بالجنون من التناقضات بالنقاشات المفتوحة داخل رأسي وبالتخبط الذي يسيطر على جوارحي . أنا هنا في غربة حتى لو أني تجنست (حملت الجنسية السويدية) وحتى لو اندمجت بمجتمعهم وحتى لو اتقنت لغتهم يظل الحنين يأخذني لدار جدتي وسكن الطفولة بعبقه المفعم بالذكريات . ماالذي جرى لي ؟ولماذا كل هذه الحيرة ؟ هل يمكن ان اتعلق بوطن صغير كهذت الذي أنا فيه ؟!!!!

منذ سنين وانا احلم بهذا اليوم وأجهز للاقامة بعيدا”في بلاد الشمس بعد أن اضناني البرد وتخلل السقيع أضلعي وخابت كل الأمال في الشتاء الطويل المعتم الضبابي المكتئب .

أحاول تصبير نفسي او أنني او أغلق النقاش العقيم الذي لايتوقف في رأسي . بدأت ببيع الأغراض والمفروشات وبعض الأواني والتحف التي انتقيتها واشتريتها على مدار أعوام وعندما وصلت للاغراض التي تخص طفلتي من سرير ومكتب واغراض وألعاب كثيرة مبعثرة هنا وهناك كان التوقيت غير ملائم لطفلتي التي تودع الاصدقاء والاساتذة والفصل الدراسي بمدرستها الوضع لانحسد عليه والذكريات بدأت تلوح لطفلتي وتسحبني معها في تيار واحد لتنتابنا نفس ذات المشاعر وذات الافكار . سنغادر مدينتنا وستترك طفلتي مدرستها وكل من اعتادت على وجودهم في ايامها ونظام حياتها وسوف تترك جدران وطننا خاويا”ليرتاده سكان جدد .

هذا الوطن الذي عشنا فيه سنوات وتغللت ارواحنا به وتغلل فينا لدرجة انه سيطر علينا الإحساس بالفقدان لو غبنا عنه أسبوعا”او حتى ساعات سنين طويلة كنا نذهب فيها لأماكن عديدة لكن من المؤكد لنا أننا عائدون إليه ليحنو ويضمنا ويغمرنا بأحضانه .

موطني في كل زاوية ونافذة في سريري الدافئ وأزهار طفلتي التي زرعتها بعناية في بلكونتنا الصغيرة . موطني في كل ركن وهبناه من روحي وروح طفلتي وقتا”لايقاس بالزمن غامض للناس جميعا”إلا أنا وطفلتي هو جزء لم يتجزأ عنا .

حائرة انا كيف أصبر وأواسي طفلتي وقلبي أضناه الحنين وفجر فيه فجوات هائلة لايمكن سدها ببسهولة . حتى التحف والأشياء البسيطة من مقتنياتي تقول لي خذيني معك تستنجد لأخر لحظة وتحلفني بالعشرة فيما بيننا .

سأصاب بالجنون إن بقيت على هذا الحال ولن أتمكن من جمع قواي لأقنع طفلتي بأننا سنرحل لمغامرة جديدة ونبدل المكان ونخلق ذكريات جديدة ونشتري اثاث ومقتنيات جديدة تضفي على حياتنا البهجة وكسر الروتين الذي اعتدناه لسنيين أكاد أجزم بأحساسي المتخبط أنها العمر كله .

ماأقسى الرحيل عن موطني اتراه يسامحني بالهجر او ينساني ويبدأ رحلة ذكرياته مع الساكن الجديد ؟ام أن اغراضي التي لاتعني لأحد غيري أي قيمة ستعاقبني للتخلي عنها بسهولة ؟ للغربة أنواع وأقسى غربة أن لاتدرك ماذا حل بك ؟وأن لاتتفهم نفسك وروحك في سلسلة الحكايات .

للغربة انواع مختلفة كأن تكون في وطنك الصغير بعيون الأخرين والكبير جدا”في استيعابه واحضانه لك . لايوجد بداخلي أي نوع من انواع القلق او الخوف حول المكان الذي سنستقر فيه ولااشك لثانية بأن مصر وشعبها وروحها ستجعلني وحيدة مع طفلتي المشكلة تكمن هنا بالتخلي وترك كل شي ورائي لم اتخيل ولم يخطر ببالي لثانية اني سأواجه كل هذا التخبط لأني سأرحل عنك ياوطني بغربتي معك أكبر تناقضات الحياة وليس أمامي متسع من الوقت للتحليل او التنظير او حل المعضلة المعقدة التي اعيشها انا وطفلتي معا”.

لكن ثقتي بالله ستتغلب على كل مانمر به من وقت صعب وإنهزام وحنين للمكان وللهواء وحتى الشارع والطرقات والبحر والمحلات نشعر بالحنين قبل أن نفارقها ويضنينا الرحيل قبل موعد السفر .

سألجئ إليك ياربي ياخالقي أن تكون معنا كما كنت طوال الحياة وان تهدينا السكينة والطمأنينة وتلهمنا الحكمة وتعيننا على الصبر . وطني موطني في غربتي سوف لن ألقاك .

ربما أعود لك زائرة او ربما رحلت انت للفناء سأجمع قوتي وأترك لك قوايا الحائرة لأبدل ضبابك بشمس ساطعة وأوي بعد غربتك إلى أم الدنيا بأحضانه الرائعة لتغمرنا أنا وطفلتي وتبهر عيوننا بطبيعتها الساحرة ،وتضفي لأرواحنا من عبق تاريخها وعظمة حضارتها رونق باهرا” ننال نصيبا وعمرا”جديدا” في قدسية وطهر أرضها .

موطن طفلتي وأصلها في مصر سوف أبني بيتا” جدرانه أهلي من شرق مصر إلى غربها وسقفه سيكون من شمالها ويمتد الى الجذور في جنوبها. هذه مصر موطنا” أمنا”لكل من لجئ لأحضانها وأدرك أنه من المستحيل ينفذ كرم عطاءها

حفظكم الله ورعاكم شعبا”طيبا”وحكومة”وقيادة”حكيمة” وروح ونبض وأمل أم الدنيا واب الدنيا وروح الدنيا انا وطفلتي إليك راحلون .

إلى ان لالقاكم على خير استودعكم الله خير من يستودع عنده الودائع

عن خالد

شاهد أيضاً

أسرة الجريدة تهنئة الصحفية داليا عادل بمناسبة مولودة شقيقها “فيروز محمد عادل” الف مبروك

تتقدم أسرة الجريدة ، وأسرة التحرير ، بتهنئة الزميلة الصحفية “داليا عادل” بمناسبة مولودة شقيقها …