اخبار عربية الصوفية تقارير دين ودنيا مقالات

الطرق الصوفية في الصومال

إعداد / كريم الرفاعي

اشتهرت في الصومال عدّة طرق صوفية، إلاّ أنّه يمكن حصر هذه الطرق بما يأتي:

الطريقة الأحمدية:

أسسها أحمد بن إدريس الفاسي (1760- 1837م)،، هذه الطريقة التي ساهمت في حركات الإحياء التي شهدها القرن التاسع عشر، ولم يكن الفاسي صوفيا فحسب، وإنما كان مصلحا يستهدي تعاليم الوهابية،ويتأثر بها، فجرد الصوفية من كثير من بدعها ونادى بالاعتماد على الكتاب والسنة فهي طريق السالكين ودخلت الصومال في بدايات القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي في جنوب الصومال وكانت الجماعة عبارة عن وحدة اجتماعية تعمل في الزراعة ولها شيخ أشبه بفكرة الزاوية عند السنوسية وأول جماعة أحمدية تأسست في بارديرا عام 1819 م بيد الشيخ إبراهيم يبرو وقد نمت الجماعة حتى أصبحت تسعين جماعة تضم خمسة وثلاثين ألف شخص في باكول، جادو، بارديرا في عام 1950 الّذي لم يكن صوفيا فحسب بل كان مصلحا دينيا جرّد الصوفية من كثير من بدعها ونادى بالاعتماد على الكتاب والسنة.

ولقيت الطريقة نجاحاً منقطع النظير خصوصاً في المناطق الجنوبية، فقد صادفت صدى في نفوس الشعب الصومالي. وامتد نشاط الجماعة إلى المناطق الأخرى في الجنوب مثل منطقة بكول في عهد كل من الشيخ شريف عبد الرحمن و شريف إبراهيم. كما انتشرت في باقي أنحاء البلاد وتسربت إلى شمال شرق كينيا بيد الشيخ علي جري. واشتهرت الأحمدية بتوطين أهل الأرياف والدعوة لهم بالتحضر والتمدن.

ولقد لعبوا دورا كبيرا في محاربة العادات التي يرونها سيئة فحرموا مضغ القات وتعاطي الشيشة والحركات الجسدية عند الذكر، كما فرضوا حظرا على بيع العاج، وحثوا على ارتداء الحجاب للنساء، وخاضوا معارك جدلية مع المجاميع القادرية والتي تطورت فيما بعد إلى صِدام مسلح بين الطريقتين على خلفية استيلاء الأحمدية على مدينة براوي معقل القادرية الأمر الذي أثار حفيظة ملك قبيلة “جلدي”، والذي جمع جيشا قوامه 40000 من مختلف القبائل واقتحم مدينة بارديرا وحرّقها.

ويعتقد أن العامل الاقتصادي كان له دوره في تأجيج الصراع إذ إن حظر بيع العاج أغضب بعض القبائل، إلى جانب العامل الخارجي حيث أشار الباحث والكاتب الصومالي الشهير عبد الرحمن عبد الله باديو إلى تحريض سلطان زنجبار العماني سعيد برغش لسلطان قبيلة “جلدي” القادري ضد الأحمدية لأن السلطان العماني كان قلقا مما اعتبره توغلا وهابيا في الصومال، لكن الحقيقة أن الأحمدية لم يكونوا سلفيين.

ويبدو أن الحركة الأحمدية سعت إلى تأسيس تصوف على أساس الأصول الشرعية و كانت هذه خطوة هامة في تطور التصوف في الصومال لأنه مثل زواجاً ما بين المعرفة الروحانية والنشاط الاجتماعي، ولا سيما أنها جاءت في وقت غلب على الحركة القادرية (الأم) كل أشكال الدروشة والبدع والانزواء والسلبية، ولا شك أن سر الاستجابة والانتشار السريع للجماعة، كان يعود إلى الانحطاط الذي كانت تعانيه الحركة القادرية، إضافة إلى الحاجة الملحة للتجديد الديني في ظل تكالب القوى الاستعمارية على الصومال مما كان يستدعي حركة دينية نهضوية ترفع راية الدعوة الإسلامية الصحيحة في وجه التنصير الذي كان أحد أذرع الاستعمار من جهة ويرفع راية الجهاد والمقاومة في وجه المد الاستخرابي من جهة أخرى، وبالفعل استجابت الحركة الأحمدية تلك المطالب الشعبية، حيث بذلت الطريقة الأحمدية جهودا مشكورة في مقارعة المحتل تميزت بها عن كثير من الطرق الصوفية في عصرها.

وحمل الطريقة إلى شرقي أفريقيا شيخ صومالي اسمه علي ميي دُرُغبو (Cali Maye Durugbo)، واهتم أتباع هذه الطريقة بنشر الإسلام الصحيح وثقافته بين السكان .

الطريقة الصالحية أو الرشيدية:

أسسها إبراهيم بن الرشيد وابن عمه محمد بن صالح، وانتشرت هذه الطريقة – التي عملت على إحياء الروح الإسلامية وتعميق فهم الإسلام ونشر الإسلام وثقافته- في الصومال البريطاني . ويعدّ السيد محمد عبدالله حسن الّذي حارب الاحتلال الأوروبي والحبشي، أحد أتباع هذه الطريقة في الصومال.

تُعتَبر هذه الطريقة بدورها رائدة في نشر الإسلام في هذه البلاد -الصومال- وتنتسب هذه الحركة إلى محمد بن صالح المتوفى في العام 1513م/919هـ، وهي فرع من الأحمدية وعمل على نشرها، وبعد وفاته لم توقف عجلة الحركة دورانها، بل انتشرت الدعوة في البلاد، وكان قائدها من خلفه الشيخ محمد جوليد الذي أسس مركزاً للطريقة الصالحية في منطقة شدلي القريبة من بلدتَيْ جوهر وبلعد على نهر شبيلي. وكذلك الشيخ علي ميى دوركبا الذي توفي عام 1917م، والشيخ علي نيروبي الذي أسس جماعة قرب مدينة بارطيره ونشر الطريقة علي ضفاف نهر جوبا. ومنهم الشيخ أحمد فارح، وحاج علي دقري الذي أسس جماعة راحولي قرب مدينة جللقسي، ومحمد حسن أحمد أبيكر. ومنهم الشيخ المجاهد حسن برسني الذي أسس جماعة جاليالي قرب مدينة جوهر واصطدم مع الاحتلال الإيطالي الفاشي وأعلن الجهاد ضدها حتى ألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن المؤبد واستشهد في السجن عام 1929م.

وتلقت الدعوة الصالحية قبولا واسعا في أوساط الشعب الصومالي ولا سيما في أيام المجاهد الكبير محمد عبد الله حسن الذي هاله قتل مؤذن في مسجد بربرة لأن صوته يقلق حاكم المدينة من نومه، كما هاله حركة التنصير التي تقوم بها البعثات التنصيرية خاصة مع أطفال المسلمين، كما تزامن ظهوره في وقت لم يكن هناك أي حركة جهادية في الصومال بالرغم من استباحة إثيوبيا لهرر وما جاورها واقتطاع القوى الأوروبية المتنافسة لأجزاء كبيرة من الصومال.

وقد اتبع السيد سياسة سلمية في بداية حركته تقوم على نشر التعليم بين الناشئين وتوعية الناس بأمور دينهم، وحثهم على التمسك بالدين في مواجهة حركة التبشير، وحب الوطن والحنق على المحتل الأجنبي الغاصب، وعندما نجح في تحريك عواطف ومشاعر الصوماليين الدينية والوطنية انتقل إلى الحرب والكفاح المسلح.

والحقيقة أنه اكتسب أنصاراً ومريدين أصبحوا نواة لجهاده ضد القوى الاستعمارية الثلاث إثيوبيا وبريطانيا وإيطاليا وركز السيد معظم جهاده على الإنجليز وألحق بهم شر الهزائم في أكثر من مواجهات وأباد وحدات بريطانية بأكملها، استخدم الإنجليز كل ما لديهم من جيش جرار وأسلحة ومدافع وطائرات ضد الدراويش وقد ألقي أكثر من 100 قنبلة على حصن تليح التي كانت إحدى أهم قلاع السيد، وكان أول إفريقي استخدمت ضده الطائرات لضراوة مقاومة الدراويش في وجه البريطانيين.

وعلى الرغم من أن معركته مع الاستعمار غير متكافئة بفارق التقنية والعدد، إلا أنه خاضها بشجاعة لأكثر من عشرين عاما، وتجدر الإشارة إلى أنه لو لا تواطؤ بعض قوى الطرق الصوفية والواجهات العشائرية مع المحتل البريطاني والإيطالي بقناعات مذهبية ومصالح آنية لاستطاع السيد توحيد الصومال وتحريرها.

وتعتبر ثورة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله حسن أهم الانتفاضات الدينية التي انفجرت في كثير من المناطق الصومالية حماية للعقيدة الإسلامية وسعيا إلى تحرير البلاد والعباد من الاستعباد والاستخراب، ومن هنا ظل فكره فيما بعد موضع إلهام في سياق معركة الاستقلال والتوحيد بحكم أنه أول باعث النهضة القومية الصومالية.

الطّريقة القادرية:

ينسب هذه الطريقة إلى مؤسسها الشيخ عبدالقادر الجيلاني من أشهر رجال الصوفية، ولد بجيلان عام 471هـ/1077م، وترعرع بها ، ثم انتقل إلى بغداد عام 488هـ/1095م، وهناك تتلمذ على كبار الشيوخ منهم أبو سعيد المحرمي، فأجاد الفقه والأدب، واشتغل بالوعظ والتعليم، ومال إلى التصوف ومجاهدة النفس والخلوة، ففارق ضجيج المدن وضوضائها واتجه إلى الصحراء. وتعدّ الطريقة القادرية أقدم طريقة صوفية وصلت إلى شرقي أفريقيا مع التجار والمهاجرين اليمنيين، فانتشرت بالمدن الساحلية كمصوّع – التي يعتقد بعض سكّانها أن عبدالقادر الجيلاني نفسه مات بها أثناء زيارته لها-، وزيلع ومقديشو، وهرر. كما قام أتباع القادرية بشرقي أفريقيا بنشاط ديني وعلمي، حيث أنشأوا المراكز العلمية والدينية المتمثّلة بالزوايا والروابط العلمية فخرّجت جماعات من المريدين والفقهاء الذين ساهموا في نشر الإسلام في كلّ من إثيوبيا وإرتريا وتنزانيا، والصومال . “ويعتبر الشريف أبوبكر بن عبدالله العيدروس المتوفى عام 1503 من أوائل مؤسسي الطريقة القادرية في الصومال، ثم تبعه من المشاهير الشيخ حسين نور المعروف بـحسين بالي، الذي تورد الروايات الشفهية أنه جاء من بغداد لنشر الطريقة القادرية وأنه أول من مزج ترديد الأوراد مع ضرب الدف، بادئا ذلك بلفظ الشهادة (لا إله إلا الله) حتى يجذب العوام والأهالي للإسلام. وكان أشهر دعاة الطريقة القادرية الشيخ محيي الدين القحطاني (1794-1869)، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالغني الأموي ( 1834-1896)، الذي تولى القضاء في عهد كل من السيد سعيد وابن السلطان ماجد. وأسس الشيخ إبراهيم حسن عيسى حبرو، أول مركز للطريقة القادرية في الصومال عام 1819، ببلدة بارطيري على نهر جوبا، ومن هذا المركز انتشرت الطريقة إلى باقي أنحاء البلد، وكان من كبار مشايخها المتأخرين هناك الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الشاسي، الشهير بـالشيخ الصوفي، المتوفى عام 1919 م وهو مؤسس الزاوية القادرية في مقديشو .

ويبدو أنّ الطرق الصوفية عموما، والطريقة القادرية خصوصا، كان ينحسر دورها في نشر الثقافة الإسلامية والعربية بين أبناء الصومال، حيث تكاد معظم المصادر التّاريخية تتفق على أن الصوفية لم يكن لها وجود في الحياة السياسية الصومالية، مما جعلها نوعا ما منعزلة عن الحياة المدنية المعاصرة، فكان نتيجةً لذلك أن يسميّها البعض بالحركات الإسلامية التقليدية وذلك للتفريق بين الحركات الإسلامية المعاصرة المعروفة بحركات الصحوة، والطرق الصوفية.

مكانة الطرق الصوفية بين المجتمع الصومالي:

احتلّت الطرق الصوفية محلّ الصدارة في المجتمع الصومالي، لكونه مجتمعا إسلاميا يحبّ دينه والعاملين عليه، ولكون الطرق الصوفية تمثّل السلطة الدينية للمجتمع حيث كان عليها قيادة المجتمع نحو الوجهة الصحيحة، خاصة أن الطرق الصوفية كانت تبتعد عن التكتلات القبلية، مما جعلها موضع ثقة عند كثير من المجتمع الصومالي، فكانت الطرق بذلك تقوم بحل الخلافات والمشاكل المستعصية التي عجز عن حلّها زعماء القبيلة التقليدية، إضافة إلى ذلك كانت الطرق تقوم بتعليم أبناء المجتمع الصومالي العلوم الشرعية والعربية حتّى خرّجت جيلا مسلّحا بالعلم الشرعي والعربي.

لكن وبعد التوجه نحو الحياة المدنية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة والتي تتسم بالتعقيد، بدأت مكانة الطرق الصوفية تتراجع إلى الوراء حيث أنّه يمكن القول أنّه لا يوجد وجود للصوفية في الحكومات المتعاقبة ما بين 1960 _ 1991م، مما أدّى إلى أن تفقد مكانتها في المجتمع شيئا فشيئا.

الأدوار السياسية والاجتماعية للطرق الصوفية:

من الواضح أن شيوخ وزعماء الطرق الصوفية في الصومال اضطلعوا بنشر وتعميق العقيدة الإسلامية بطريقة مبسطة من خلال إلزامهم لمريديهم وأتباعهم بمنهج تعبدي وخلقي معيّن. وكانت درجة نجاح الشيوخ في هذا المسعى تعتمد على ما يتمتعون به من مكانة وسلطان روحي. وساد اعتقاد وسط جمهرة المريدين والأتباع أن مخالفة الشيخ أو الولي تعود عليهم وعلى أطفالهم باللعنة والضرر، وأن الشيخ قادر حياً وميتاً على أن ينقذ ويغيث ويشفع لمن يتوسل به.

قام شيوخ الطرق بوصفهم فقهاء ومتصوّفة بالعديد من الأدوار والوظائف في مجتمعاتهم ومن أمثلة ذلك دور المرشد، والمعلم، والإمام، والمأذون، والطبيب، والوسيط النزيه في فض النزاعات. كما كان الناس يستشيرونهم ويستفتونهم في أمورهم وشئونهم الحياتية المختلفة ويلجئون إليهم لإطعامهم عند الحاجة.

وقد أسس مشايخ الطرق الصوفية مراكز في القرى والأرياف حيث أصبحت موئلا للمعوزين إلى جانب حصولهم على قدر من المعارف الإسلامية، وقد مثَّل ابتكار تأسيس المزارع الجماعية في جنوب الصومال من قبل بعض علماء الطريقة الأحمدية خطوات متقدمة في القضاء على الفقر والمجاعة لدى السكان.

لقد اخترقت الطرق الصوفية الحواجز القبلية وتجاوزت بمسلكيتها الأخلاقية أطر التعصب ساعية بكل قوتها وعلي نحو عفوي لإيجاد تدامج وطني عام يشمل كل هذه الكيانات وكانت الحركات الصوفية الصومالية العابرة للحدود المزيفة بين الصومال وإثبوبيا أو بين الصومال وكينيا هي الرد الوحيد علي التجزئة الاستعمارية للطيف الصومالي.

أما ارتباط الحركة الصوفية بالسياسة، فنجد أنه كان ضعيفا في الساحة الصومالية. ولعل مرد ذلك طبيعة التنشئة الصوفية التي لاتكترث بالسياسة، وتشيطن ممارسة السياسة وتولي اهتمامها في الجانب الروحي.

الاستجابة الصوفية الأكبر للسياسة تجسدت في ثورة السيد محمد عبد الله حسن الذي على خلاف معظم المدارس الصوفية في الصومال آنذك؛ قاوم المستعمر الأجنبي من منطلق سعيه لتأسيس الإمارة الإسلامية وكان على الطريقة الصالحية ويتضح من خلال أشعاره ومناظراته أنه كان رائد الإسلام السياسي في الصومال، ولعل ما يدل أيضا على الانفصام بين الصوفية والسياسة في الصومال ما بدا من كثير من أهم الشيوخ الصوفية أثناء الفترة الاستعمارية والانصراف عن مقاومته ومدافعته، وفي كثير من الأحيان التعامل معه كحاكم شرعي للأمة وتلقي الإعانات المالية منه، بل وقف بعض المتصوفة في مواجهة المتصوفة المجاهدين، ودليل ذلك رفض الحركة القادرية جهاد حركة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله ووصفها بالفتنة.

لكن في الأربعينيات من القرن الماضي، كان هناك توغل صوفي ملحوظ في حركة التحرر الوطني المتمثلة بحزب وحدة الشباب الذي اعتبر الإسلام مصدرا للتحرر والوحدة وكان لبعض علماء الصوفية كعبد القادر سخاودين -أحد أعضاء حزب وحدة الشباب- دور بارز في الحزب لأن الإسلام مثّل الوسيلة الأمثل التي يعبر الصوماليون من خلاله عن التلاحم الوطني وكان حزب وحدة الشباب انبعاث وطني ديني ممزوج بمشاعر قومية.

وانصبت جهود علماء الصوفية قبيل الاستقلال في ترسيخ إسلامية وعروبة الصومال، حيث واجهوا مخططات الاستعمار التي كانت ترمي إلى إقصاء الإسلام واللغة العربية، وردوا كثيراً من مخططات الاستعمار على عقبها بالتعاون مع رواد حزب وحدة الشباب.

وفي ظل الحكومات المتعاقبة في الحكم ما بين 1960-1990م لا نلاحظ دوراً صوفياً فعالاً، ما عدا محاولات النظام العسكري لكسب الود الصوفي وقيامه بتعيين بعض رموز الصوفية لمناصب عدة في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

العلاقة مع السلفية:

تتسم العلاقة الصوفية السلفية بالتوتر واختلاف لا يقبل أي بوادر للالتقاء، وشهدت الساحة الصومالية إبان السبعينيات والثمانينيات صدامات فكرية عديدة بين الطرفين لم يسلم منها بيت من بيوت الصومال ولا سيما في المدن الرئيسية، فكلا الفريقين يسعى لاستقطاب أكبر عدد من المنتمين، وكل طرف يرى أنه كفيل بإلغاء الآخر ومحوه من التواجد على الساحة الدينية، وذلك من خلال تكثيف الدعوة والتركيز على المناطق والتسابق نحو كسب المؤيدين لقضيته.

المواجهة بين الصوفية والسلفية بلغت أشدها بعد انهيار الدولة، عندما تفرغت التيارات السلفية لمواجهة الصوفية مستغلة سقوط مؤسسات الدولة التي كانت تلاحق دعوة السلفية، واعتبرت أن الطرق الصوفية ومن ينتمون لها تمثل منصات وقواعد للشرك بالله يجب اجتثاثها من جذورها، في حين اعتبر الصوفية أن حربهم ضد السلفية تمثل تثبيتا للدعوة الأصيلة، واعتبروا أن السلفيين خوارج جدد يناصبون العداء لرسول الله وآله الكرام وأولياء الله الصالحين، ويسعون إلى فرض مذهب فقهي جديد على الصوماليين، ويطلقون على خصومهم اسم “الوهابيين” باعتبار أنهم يتخذون من أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب مسارا لهم يسعون لتطبيقه.

وبلغت مرارة الخلاف بين الطرفين إلى حد تكفير الآخر واتهامه بالمروق عن الدين في كثير من الأوقات، وكثيرا ما تشتد وتيرة الخلاف والمشادات الكلامية بين الطرفين في أوقات المناسبات الدينية مثل الأعياد واحتفال الموالد حيث يحاول كل طرف الانتصار لموقفه الديني أو الفقهي تجاه هذه المناسبة أو تلك، ففي الأعياد كثيرا ما يدور الخلاف حول رؤية الشهر متطابقا مع اختلاف الفقهاء في تحديد الرؤية، كما يدور الخلاف في الموالد حول شرعية الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل بالأولياء وغيرها من المسائل الدينية.

لكن رغم كل تلك المشاحنات الفكرية، لم تكن هناك مواجهات مسلحة بين الطرفين ما عدا استثناءات تمثل أفعالا فردية، ومازال الصدام مقتصرا على المجادلات والصراع الفكري. بل كان هناك تعايش سلمي بطريقة ما واحترام متبادل بين أقطاب الحركتين بحكم أن كثيرا من قادة السلفية كانوا قديما من المدرسة الصوفية والطابع القبلي كان يملي عليهم هذا التعايش السلمي، لأن القبيلة لم تكن تسمح بأي مواجهات بين أبنائها على أساس ديني حفظاً لتماسكها ووحدتها.

وما تشهده الساحة الآن من المواجهات المسلحة بين السلفية الجهادية وبعض المجاميع الصوفية المسلحة في بعض المناطق ليست إلا نتيجة استفزازات حركة الشباب ضد مقدسات الصوفية وهو ما وجد فيه بعض متشددي الطرفين ضالتهم لإشعال مزيد من الفتنة ستسفر عن نتائج كارثية في العلاقة السلفية الصوفية في المستقبل.

الصوفية والانخراط في العمل العسكري:

لم يعرف نشاط مسلح في أوساط الحركة الصوفية طيلة الحرب الأهلية من تسعينيات القرن الماضي، وظلت سمة الصوفية سلمية وقطيعة فقهية مع كل أفكار العنف وعمل المسلح.

لكن بدت بعض طرق الحركة الصوفية في العشرية الأخيرة تمارس تغيرا شاملا في مضامين أفكارها وتقتحم حقل العمل المسلح من أوسع أبوابه، حيث ظهرت حركة صوفية مسلحة تحت اسم “أهل السنة والجماعة” في أواخر عام 2008م في المناطق الوسطى واصطدمت مع حركة الشباب والحزب الإسلامي في مناطق وسط الصومال على خلفية قيام الأخيرتين على نبش مقابر بعض أقطاب علماء الصوفية وهدم مزارات في أكثر من منطقة وحظر المناسبات الدينية التي تعج بها الساحة الصوفية.

وفي الوهلة الأولى ظهرت جماعة “أهل السنة والجماعة” أنها ليست انتفاضة عاطفية لبسطاء من المجاميع الصوفية ثاروا على خلفية هتك حرمات رفات مشايخهم وإنما هي واجهة مسلحة تتمتع بمصادر تمويل وتسليح منظمة نظرا للتقدم العسكري السريع الذي حققوه على حساب خصومهم، والقوة العسكرية الهائلة التي ظهرت في حوزتهم، مما مكن الحركة من السيطرة على عدة مدن في وسط وجنوب الصومال في وقت قياسي، وإلحاق الهزيمة بخصومهم وإرغامهم على التقهقر أمام زحف مسلحي أهل السنة والجماعة في أكثر من مواجهة.

وفي ظل هذا الصراع المسلح، حاول كلا الطرفين إضفاء الشرعية على قضيته، فحركة الشباب أصرّت على أنها لا تقاتل مجاميع صوفية وإنما تقاتل من وصفتهم “بمرتزقة” مدعومين من الحكومة الإثيوبية، وجماعة أهل السنة والجماعة من جانبها حاولت تبرير حربها ضد الشباب بوصفهم تكفيريين مدعومين من جهات خارجية لنيل مقدسات الأمة وتراثهم الديني.

 ويورد بعض الباحثين عددا من الأسباب ساعدت على تقهقر مكانة الطرق الصوفية لدى المجتمع الصومالي، ومن بين هذه الأسباب:

انحسار أعمالها في زوايا ضيّقة: يقول عبدالرحمن محمد عادلي في حديثه للجزيرة نت “أنّ ضعف دور الطرق الصوفية يعود لتفريطها في العلاقة مع الشعب، حيث حصرت أداءها في زوايا ضيقة لا تتعدى الجانب الديني دون التغلغل في المجتمع ودون الاعتماد على مشاريع تعليمية أو تجارية كبيرة”.

مداهنة السلاطين: يقول أنور ميو محمد في حديثه للجزيرة نت “أن مداهنة التيار الصوفي للحكام وزعماء الفصائل وعدم قدرته على الدفاع عن أفكاره بالحجج، تسببت في تراجع دوره وشعبيته”.

ويورد أ. محمد عمر أحمد في دراسته بعنوان الصوفية في الصومال..’الطريقة’ تبحث عن دور، نشر على موقع مسلم أونلاين مجموعة من الأسباب أدّت إلى انحسار مكانة الطرق الصوفية لدى المجتمع الصومالي، حيث يسرد الأسباب الآتية:

ضعف حجج الصوفية في الدّفاع عن السلوكيات التي يطلقها خصومها بالشركيات أو الخرافات، وخاصة فيما يتعلّق بكرامات الأولياء الصالحين والتبرك بالقبور.

تصاعد قوّة التيار السلفي المسلّح بحجج قوية.

وقوف الصوفية إلى جانب النظام القائم آنذاك والّذي أغضب الكثير من المجتمع بسبب تصّرفاته السياسية وخاصة فيما يتعلّق بأمور الدين، فوقوف الصوفية إلى جانب ذلك النظام جعلها سيّئة السمعة مما نفّر عنها المجتمع الصومالي .

كلّ هذه الأسباب وغيرها جعلت الصوفية في دائرة منعزلة عن الشؤون العامة للمجتمع الصومالي، واكتفت بممارسة طقوسها التعبّدية في الزوايا والمزارات الخاصة بها، أضف إلى ذلك أن الطرّق الصوفية لم يكن لديها كوادر شبابية تساهم في تسويق رسالتها وخاصة، أن التيارات التي تواجهها كانت تمتلك مجموعة من الشباب المسلحين بالعلم الحديث حيث حصلوا على درجات علمية كالبكالاريوس والماجستير والدكتوراه، مما جعل هذه التيارات مواكبة لمتطلبات العصر.

وعند سقوط النظام العسكري في الصومال وخلال فترة الحروب الأهلية لم يكن للصوفية دور يذكر في تلك الفترة، إلا إذا استُثني من ذلك جهود المحكمة الإسلامية الشهيرة في مقديشو والتي كان يترأسها الشيخ علي طيري أحد علماء الطرق الصوفية في الصومال، والتي ساهمت في استعادة أمن أجزاء واسعة من العاصمة، في حين أن التيارات الأخرى كانت بصماتها واضحة في كلّ موقع حيث كانت تساهم هذه التيارات في عمليات الإغاثة بسبب علاقتها القوية مع الخارج كما كانت تساهم في عمليات المصالحة بين القبائل المتناحرة في أجزاء من الصومال.

كلّ هذه العوامل أدّت إلى ضمور دور الطرق الصوفية في المجتمع الصومالي، إلاّ أنّه لم يختف تماما، لترسخ جذور الصوفية في كثير من مكوّنات المجتمع الصومالي.

محاولات إحياء الصوفية من جديد:

في ظلّ هذا التراجع الذي طرأ على الصوفية، تجري مؤخراً محاولات إحياء الصوفية في الصومال، واستعادة أدوارها الدينية والاجتماعية؛ حيث كانت هي الممارسة الدينية الوحيدة السائدة للتدين في المجتمع الصومالي منذ انتشار الإسلام فيه.

وتعزيزاً لهذا المسعى، انتظم في العاصمة الصومالية مقديشو  في نيسان (أبريل) الماضي “مؤتمر التصوف العالمي السابع”، وشاركت فيه على مدار ثلاثة أيام، وفود من 11 دولة إسلامية، من بينها مصر والمغرب وتركيا والأردن والسنغال.

وناقش المؤتمر سُبل مواجهة التطرف ونبذ العنف. واتفق المشاركون على ضرورة قيام الصوفية في الصومال بتكثيف الجهود الرامية إلى معالجة التطرف الشبابي في البلد.

وخرج المؤتمر بتوصيات دعت إلى الوقوف مع كلّ من يعمل من أجل استقرار الصومال، ومحاربة التطرف الذي ألحق به الضرر.

كما أكّد البيان الختامي للمؤتمر “إسلامية القدس الشريف، وأنّها عاصمة فلسطين”، وأشار المشاركون في المؤتمر إلى تبرئهم من كلّ فكر يخالف الكتاب والسنة والإجماع، كما أكّدوا في توصياتهم التبرؤ من أفكار المتطرفين، وما أسماه البيان بـ “خوارج العصر”، في إشارة إلى تنظيم داعش وحركة الشباب وغيرهما، ممن وصفهم البيان بأنّهم استباحوا حرمات المسلمين، وطالبوا بدعم الصومال في إيجاد مؤسسات تنشر الفكر الإسلامي المعتدل، وشدّدوا على ضرورة الإكثار من مثل هذا المؤتمر الذي انعقد في مقديشو.

ويفصح هذا الحدث عن وجود نية في نبذ التطرف والعنف، وتقديم الصوفية، برؤيتها وإيمانها بتعددية الإسلام، الترياق المثالي لمقاومة التيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي، اللذين يتبعان التزمت والتعصب منهجاً لتفسير الإسلام.