د. نادية حلمى
غير مصنف

حوار د نادية حلمي عن العلاقات العربية الصينية

حوار د نادية حلمي عن العلاقات العربية الصينية

الصين تدعم القضية الفلسطينية لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة

العلاقات الصينية مع منطقة الخليج العربي علاقات حديثة العهد نسبياً

الإمارات والسعودية تستخدم الطائرات الصينية بدون طيار فى عملياتها العسكرية ضد الحوثيين فى اليمن

علاقة السيسي بالملك سلمان القوية ساهمت في القضاء علي الإرهاب وتحقيق الأمن بين البلدين

الدكتورة نادية حلمي أستاذ مساعد العلوم السياسية
تعتبر الدكنورة نادية حلمي أستاذ مساعد العلوم السياسية بكلية السياسة والإقتصاد/ جامعة بنى سويف- خبيرة فى الشئون السياسية الصينية- محاضر وباحث زائر بمركز دراسات الشرق الأوسط/ جامعة لوند بالسويد- مدير وحدة دراسات جنوب وشرق آسيا

** في البداية حدثينا عن العلاقات الصينية الآسيوية لاسيما العلاقات العربية وكيف تربتها من منظور استراتيجي؟

* لعل أكثر ما لفت نظرى فى هذا الشأن هو إيجابيات تغطيات الصحف الصينية الصادرة قبيل وأثناء إنعقاد القمة الإسلامية الرابعة عشر بمكة المكرمة فى 31 مايو 2019، وكان أكثر ما لفت الأنظار دولياً هو تهنئة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” شخصياً للقادة العرب وقادة دول العالم الإسلامى وولى العهد السعودى “بن سلمان” بإفتتاح ونجاح القمة. وكان من أهم المقالات اللافتة للكتاب الصينيين هو مقال المحلل الصينى ” مو شيويه تشيوان” Mu Xuequan 穆雪泉 المنشورة فى وكالة أنباء شينخوا، والذى يشيد فيه بالعلاقات بين الصين والدول الإسلامية على وجه التحديد.

ومن خلال قرب الباحثة المصرية الشديد من المجتمع الصينى، إستطاعت تتبع حرص الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين – خاصةً فى الفترة الأخيرة – على إنشاء عدد من “الجمعيات الإسلامية” فى عدد من المدن المختلفة فى الصين، مع الحرص على تواصلهم مع دول منظمة التعاون الإسلامية لإحداث نوع من التقارب بين الصين والعالم العربى والإسلامى. ومن الجمعيات التى أُسست فى الصين لتحقيق هذا الغرض هى “جمعية الدين الإسلامى بالصين” فى مدينة “شنغهاى”، و “جمعية الثقافة الإسلامية الصينية” فى مدينة “قويلين” Guìlín 桂林 بمنطقة “قوانغشى” Guǎngxī 广西

وبعد تأسيس الدولة الصينية الحديثة على يد الحزب الشيوعى الصينى، تم توحيد كل الجمعيات الإسلامية فى شكل جمعية صينية إسلامية (رسمية) أُطلق عليها “الجمعية الإسلامية الصينية”، وقد عُقد أول مؤتمر لمُمثلى الحزب الشيوعى فى 11 مايو 1953، فى العاصمة الصينية بكين، وأُعلن رسمياً عن إنشاء “الجمعية الإسلامية الصينية”، وأنشئ العديد من الأفرع لهذه الجمعية فى العديد من المقاطعات والمدن الصينية. وكان للجمعية دوراً بارزاً فى تكوين جسر من التواصل بين المسلمين من مختلف القوميات والحزب الحاكم وقيادات الدولة، وإستفادت الحكومة الصينية من تحقيق تواصل عبر قنوات رسمية وغير رسمية بين الجمعية ودول بلدان منظمة التعاون الإسلامى لإحداث مزيد من التقارب بين الصين ودول العالم الإسلامى.

ولعل الأمر اللافت هنا هو رسالة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” يوم الجمعة الموافق 31 مايو 2019، عندما بعث برسالة تهنئة بمناسبة إفتتاح (القمة الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامى) فى مكة المكرمة بالسعودية. وقال (شى) فى رسالته إن منظمة المؤتمر الإسلامى هى رمز للوحدة بالنسبة للبلدان الإسلامية، وهو يقدر تقديراً كبيراً الإسهامات التى قدمتها منظمة المؤتمر الإسلامى فى تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية منذ إنشائها قبل 50 عاماً.

وقال (شى) فى رسالته أن الصين والدول الاسلامية تتمتعان بعلاقات ودية تقليدية وصداقة عميقة وكذلك دعم متبادل وتعاون مخلص. وقال إن الصين تعلق أهمية كبيرة على العلاقات الودية مع الدول الإسلامية وتتطلع إلى منظمة المؤتمر الإسلامى كجسر مهم للتعاون بين الصين والعالم الإسلامى.

وكان أبرز ما جاء فى خطاب الرئيس “شى” هو حديثه عن تطلع الصين وإستعدادها للعمل مع الدول الإسلامية لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة وتعزيز التعاون العملى والحوار بين الحضارات، من أجل خلق مستقبل أفضل للعلاقات الودية بين الصين والعالم الإسلامى والمساهمة فى دفع بناء مجتمع مع مستقبل مشترك للبشرية.

** هل يمكن للعالم العربي أن يعتمد على علاقاته مع الصين في دعم قضاياه؟

* بالطبع هناك العديد من القضايا التى تدعمها الصين فى العالم العربى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية فى مواجهة واشنطن وإسرائيل. وجاء موضوع “صفقة القرن” الأمريكية المدعومة بالطبع من إسرائيل – والتى يتحفظ عليها الجانب العربى – فى مواجهة “صفقة قرن” أخرى صينية – تطرحها الصين إلى العرب ربما كبديل مرحب به عن تلك البنود الأمريكية والإسرائيلية المجحفة للحقوق الفلسطينية والعربية – ومن هنا، فنحن العرب وأشقائنا الفلسطينون فى مواجهة “صفقتين للقرن” إحدهما صينية والأخرى أمريكية – إسرائيلية. وما أرادت الباحثة المصرية نقله للأطراف وللمعنيين العرب، هو ضرورة تنبيههم بوجود “صفقة قرن أخرى صينية بديلة” فى مواجهة نظيرتها الأمريكية والإسرائيلية.

حيث طرحت تلك المبادرة الصينيّة والتى إعتبرها نبيل شعث، مستشار الرئيس الفلسطينى للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية، فى حديث لإذاعة “صوت فلسطين” (وهى إذاعة رسمية مقرّبة من السلطة)، بأنها “يمكن أن تفتح الطريق أمام حلٍّ دولى متعدّد الأطراف للقضيّة الفلسطينية”، وتكون بديلة عن “صفقة القرن”. مع تأكيد الجانب الفلسطينى الرسمى بأن المبادرة الصينية ستشكّل بديلاً عمّا يسمّى بــ “صفقة القرن الأمريكية والإسرائيلية”.

وتقوم فكرة المبادرة الصينية لــ “صفقة القرن” على “ترسيخ حلّ الدولتين على أساس حدود 1967، مع القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية جديدة”. والأخطر لدى الباحثة المصرية أن تلك “المبادرة الصينية لصفقة القرن” تتضمّن أيضاً “دعم مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاونى والمستدام” الذى يُنهى فوراً بناء المستوطنات الإسرائيلية المقامة على مساحات واسعة من الأراضى الفلسطينية المحتلة.

ولعل الجديد فى “صفقة القرن الصينية” هو ما جاء فى بنودها بأن المبادرة الصينية تسعى – صراحةً – لتطبيق “تدابير فورية لمنع العنف ضد المدنيين الفلسطينيين، وتدعو إلى الاستئناف المبكّر لمحادثات السلام”، المتعثّرة منذ عام 2014 بسبب التعنّت الإسرائيلى.

ولدى الباحثة المصرية إعتقاد شخصى، بأن الصين مصممة هذه المرة على مواجهة “صفقة القرن الأمريكية” وضرب “الفناء الخلفى” لكافة المصالح الأمريكية فى آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وغيرها فى دول العالم، خاصةً أن دخول الصين فى الملف الفلسطينى، جاء بالتزامن مع الحرب التجارية الطاحنة مع الجانب الأمريكى وزيادة التعريفات الجمركية على السلع والبضائع الصينية إلى واشنطن. لذا، جاء الرد الصينى هذه المرة حاسماً بطرح “صفقة قرن صينية بديلة عن نظيرتها الأمريكية – وهو ما يدفع فلسطين والعرب إلى قبول الصفقة الصينية البديلة وفق شروط وبنود صينية أكثر إنصافاً وعدلاً للحقوق الفلسطينية.

بل يكمن ذلك التحدى الصينى – وهو ما قرأته الباحثة المصرية المتخصصة فى الشأن الصينى فى عيون الدبلوماسيين الصينيين – من رغبة “بكين” فى إفشال “صفقة القرن الأمريكية فى مواجهة نظيرتها الصينية”، لتلقين واشنطن درساً قاسياً بعدم التدخل الأمريكى فى الشئون الصينية وعرقلة وضرب مصالح الصين فى تايوان وبحر الصين الجنوبى وضرب إقتصاد الصين بزيادة التعريفات والجمارك على السلع الصينية المصدرة إلى واشنطن, ومن هنا، قامت حكومة بكين بإعداد نفسها جيداً لضرب “صفقة القرن الأمريكية” بإرسال بكين لمبعوثها الخاص فى الشرق الأوسط (غونغ شياو شنغ) Gong Xiao Sheng فى شهر مارس 2019 – وهو الذى يتولى منصب المبعوث الصينى الخاص إلى منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2014- بزيارة إلى منطقة الشرق الأوسط فى سياق دفع جهود التسوية للنزاع الفلسطينى – الإسرائيلى، وقام السيد/ غونغ شياو شنغ – صراحةً وعلانيةً وليس تحت غطاء دبلوماسى متخفى غير معلن بصراحة كما هى العادة – بإبداء شكوك بكين إزاء صفقة القرن التى بادرت بها الولايات المتحدة الأمريكية، من منطلق أنها قد لا تلبى مطالب الدول العربية لحل الأزمة الفلسطينية، فى حين بادرت الصين وعبر صحافتها الرسمية – التى تابعتها الباحثة – بالترويج لصفقة القرن الصينية البديلة عن تلك الأمريكية، مروجة لذلك بأن “مبادرة الصين” سجلت وجود توافق دولى واسع النطاق حولها لتسوية النزاع الفلسطينى – الإسرائيلى فى إطار حل الدولتين وفق المبادرة العربية التى تعتبرها بكين “الأكثر واقعية”.

ولعل أخطر رسالة وجهها المبعوث الصينى (غونغ شياو شنغ) علانيةً خلال زيارته للمنطقة فى مارس 2019 – فى لقاء تمت الدعوة إليه قبلها بمقر وزارة الشؤون الخارجية الصينية بحضور صحفيين عرب – هو حديث المبعوث الصينى صراحةً (بأن بلاده لا تسعى إلى إقامة مناطق نفوذ ولا تبحث عن وكلاء أو ملء الفراغ فى الشرق الأوسط)، كما أشار المبعوث الصينى صراحةً – وربما لأول مرة فى تاريخ الصين يتم تداول مثل هذا الحديث علانية- إلى (أن الكثير من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تشكك فى مواقف الصين بهذا الخصوص، رغم أنه ليس لديها أدنى نية فى ذلك، حتى لو أصبحت فى المستقبل أقوى دولة فى العالم). بل والخطاب الجديد الذى تبنته الصين من خلال مبعوثها لمنطقة الشرق الأوسط هو الربط بين “مبادرة الحزام والطريق الصينية” وبين عملية السلام فى المنطقة، وهو ما أكده (غونغ شياو شنغ) خلال حديثه معرباً عن أمله فى أن تسهم مبادرة حزام الطريق فى دفع عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، كون مقاصده لا تتوقف عند الجانبين الإقتصادى والتجارى فحسب.

– وفيما يتعلق بمجمل علاقات التعاون الصينية – العربية، يمكن رصد الملامح التالية:

عند زيارة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” للمنطقة فى يناير 2016، وتحديداً لأهم ثلاث عواصم عربية، هى: القاهرة، الرياض، وطهران، وإلقاءه خطاب هام للجانب العربى، وتزامن ذلك مع إنضمام عدد كبير من دول المنطقة والعالم لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، جاءت الصحف الرسمية الصينية – والتى تحرص الباحثة المصرية على متابعتها لمعرفة وجهة نظر الصين تجاه مصر ودول المنطقة – فإن الحديث عن “صفقة القرن الصينية فى مواجهة الأمريكية” لم يتوقف عند هذا الحد، بل تطرقت الصين أيضاً إلى ضرورة تنسيق الجهود الدولية لوضع تدابير لتعزيز السلام تستتبع مشاركة مشتركة فى وقت مبكر، وتعزيز السلام من خلال التنمية والتعاون بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وتعتقد الباحثة أن لدى الجانب الصينى أسباب “معقولة” للدخول بثقلها إلى الشرق الأوسط خاصةً مع أهمية منطقة الشرق الأوسط المشتعلة لمبادرتها “الحزام والطريق”، ورغبة حكومة بكين فى الحفاظ على مصالحها فى المنطقة، ومن هنا، نجد تصريحات سفير الصين لدى فلسطين “قو وى” Gu Wei إيجابية فى هذا الشأن، حيث أكد استعداد “بكين” للعمل المشترك مع الدول العربية من أجل دفع السلام والتنمية فى الشرق الأوسط، وبناء مجتمع المصير المشترك للصين والبلدان العربية بعيداً عن الحروب، والإسهام بقسط أكبر فى بناء المصير المشترك للبشرية جمعاء وفقاً لمبدأ رابح – رابح. وهى كلها نفس تلك المفاهيم الصينية التى يروج لها الجانب الصينى، ويحرص الرئيس الصينى “شى جين بينغ” على إستخدامها دوماً فى خطاباته عند الحديث عن “مبادرة الحزام والطريق الصينية” وربطها بتحقيق التنمية لدى جميع دول العالم المنضمة إليها.

كما أنه يمكن الإشارة فى هذا الإطار إلى أن الصين تريد أن تبقى على إتصال وثيق مع الدول العربية بشأن قضايا الأمن والإستقرار الإقليميين، ومن بينها المسألة الإيرانية، حتى يمكنها مواجهة تعنت الإدارة الأمريكية.

كما كشفت خطة العمل الشاملة التي وضعتها الصين تحت عنوان (البرنامج التنفيذي لمنتدي التعاون الصيني – العربي بين عامي 2018 -2020 )، والذي تم التصديق عليها فى عام 2018 خلال الاجتماع الوزاري لمنتدي التعاون الصيني – العربي في بكين، أن الصين تولي اهتماما كبيرا لتعزيز علاقات التعاون مع الدول العربية في كافة المجالات من خلال مبادرة الحزام والطريق. وحدد البرنامج التنفيذي خطوات العملية للتعاون المشترك بين الصين والدول العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والطاقة والموارد الطبيعية والبيئة والزراعة والسياحة والصحة وتنمية الموارد البشرية والثقافة والملكية الفكرية والحوار بين الحضارات والتربية والتعليم والبحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا وكذلك الإعلام والنشر والإذاعة والسينما والتليفزيون والتعاون في المجال الأهلي.

وأكد البرنامج على ضرورة مواصلة تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية القائمة على التعاون الشامل والتنمية المشتركة والمتجهة نحو المستقبل في إطار المنتدى، مشيرا إلى اتفاق الجانبين على تعزيز آليات المشاورات السياسية في إطار الاجتماع الوزاري واجتماع كبار المسؤولين والحوار السياسي الاستراتيجي على مستوى كبار المسؤولين، من أجل تبادل وجهات النظر والتنسيق حول القضايا السياسية الرئيسية والأزمات الطارئة على الساحتين الإقليمية والدولية.

كما يؤكد البرنامج أهمية الإسراع في إنشاء منطقة التجارة الحرة بين الصين وفلسطين، والعمل على استكمال المفاوضات الخاصة بإنشاء منطقة التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي في أسرع وقت ممكن، ودعم تحرير وتسهيل التجارة بين الدول العربية والصين، مع دعم (بكين) لاستضافة (دبي) لمعرض إكسبو 2020 وبذل الجهود لمشاركة الصين في هذا المعرض.

وأشار البرنامج إلى الدعم من حيث المبدأ لمبادرة بنك الصين للتنمية والبنوك المعنية للدول العربية لإنشاء “رابطة المصارف الصينية -العربية” في إطار المنتدى، ودعوة الجانبين لاستكمال الإجراءات التأسيسية، والبحث في سبل توفير الدعم والخدمات المالية لإنشاء المشاريع الصينية والعربية الهامة، مشدداً على ضرورة التوظيف الكامل لميزة بنك الصين للصادرات والواردات وغيره من المؤسسات المالية السياسية لتقديم الدعم والتسهيلات المالية السياسية والاستثمار والمقاولة الهندسية والنشاطات التجارية التصديرية والاستيرادية بين الجانبين.

** الصين تلعب أدوار ضبابية في علاقاتها مع العالم العربي وتكيل بمكيالين كيف ترين ذلك؟

* إن الصين تحاول أن تدافع عن مصالحها الإقتصادية أولاً فى المنطقة، ومن خلال هذا الإعتبار فإنها تتصرف وفق مصالحها شأنها شأن أى قوة عالمية أو إقليمية أخرى. فعلى سبيل المثال فإن المواقف المتعارضة بين بكين وواشنطن وفقاً لمصالحهما الخاصةـ فمثلاً تجددت مؤخراً المناوشات بين الصين والولايات المتحدة، في إطار الحرب الدائرة بينهما على المستوى التجاري لكي تنتقل إلى مستوى أخر قديم يتجدد كل فترة عقب إعلان واشنطن عبر وزارة خارجيتها، عن وجود “انتهاكات جسيمة” لحقوق الإنسان في الصين، وقعت خلال عام 2018 وأنها تعد الأسوأ منذ 30 عاماً، فضلاً عن التدخل الأمريكى فى شئون هونغ كونغ وتايوان بدعوى وجود إنتهاكات حقوقية هناك وحتى على مستوى معاملة الصين للأقليات الدينية، كل ذلك دفع ذلك بكين إلى أن ترد بالمثل بأن أصدرت تقريراً منذ عدة أشهر عن وضع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، وتحت عنوان “سجل حقوق الإنسان في الولايات المتحدة لعام 2018″، قال مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني، إنه جاء “استجابة للتقارير السيئة حول ممارسات الصين لحقوق الإنسان لعام 2018 التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية”.

وقال التقرير الصيني إن حكومة الولايات المتحدة، التي تطلق على نفسها “المدافع عن حقوق الإنسان”، لديها سجل في مجال حقوق الإنسان معيب وباهت، وازدواجية واضحة في معايير حقوق الإنسان التي تتبعها.

ولا يجب أن ننسى أن الولايات المتحدة خلال شهر يونيو 2018، أعلنت انسحابها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ما أثار عاصفة من السخط لدى جميع الدول الأعضاء، في مقدمتهم بريطانيا، خصوصاً بعد تصريحات “نيكي هايلي” السفيرة السابقة لواشنطن في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عندما قالت إن بلادهها انسحبت بعدما لم تتحل أي دول أخرى “بالشجاعة للانضمام إلى معركتنا” من أجل إصلاح المجلس.

وعلى الجانب الآخر، جددت واشنطن في تقريرها الجديد، الاتهامات القديمة تجاه بكين باضطهاد قومية الإيغور المسلمة في منطقة شينغيانج ذاتية الحكم شمال غربي البلاد، والإصرار على الإبقاء على ما أسمته بـ “معسكرات التدريب” كواجهة لاعتقال ملايين المواطنين، في الوقت نفسه تبادر بكين بتقديم يد العون إلى دول الشرق الأوسط، بهدف منع عودة المقاتلين في صفوف داعش وجبهة النصرة وباقي التنظيمات الإرهابية، والذين ينتمون إلى منطقة شينجيانج إلى ديارهم بهدف الحفاظ على الأمن وعدم إثارة الفوضى ومواصلة نشر أفكارهم الإرهابية.

فالغرب وواشنطن يتهمان بكين دائماً بأنها مزدوجة المعايير خاصةً لو تعلق الأمر بضرب مصالحهم نتيجة المبادرات التنموية الصينية التى تخدم منطقتنا والعالم، وقد إزدادت الإتهامات الغربية الموجهة إلى الصين بإرتكاب إنتهاكات في مجال حقوق الإنسان، فى أعقاب فوز الرئيس “شي جين بينغ” بمنصب الرئيس عام 2012، وإعلانه عن مبادرة الحزام والطريق عام 2013 والتي تستهدف إنشاء طرق تجارية بين بكين وقرابة 123 دولة من خلال 4 طريق مختلفة تعيد إحياء طريق الحرير القديم.

والمثال الذى أعتبره – على المستوى الشخصى – هو الأبرز على ذلك هو جهود الصين بتأسيس البنك الآسيوى للاستثمار في البنية التحتية، وضم عدد كبير من الدول العربية والنامية إليه وعلى رأسها مصر والسعودية وغيرها من دول الخليج العربى، بهدف تطوير البنية التحتية فيها، كنوع من سبل مواجهة تحكم الغرب في تقديم مساعدات للدول من خلال البنك الدولي، وهو ما واجهه الغرب وواشنطن من إتهامات للصين – وتفريغ مبادرتها التنموية من مضمونها – بسعى الصين إلى حرمان شعوبها من التنمية وتطوير البنية التحتية تمهيدًا لدفعها إلى الثورة على حكامها، واستغلال الوضع للنفاذ إلى الداخل وتمزيق الدولة وتقسيمها كما حدث في دول الربيع العربي.

ومن هنا، فأنا عندما يجب عن إزدواجية المعايير الصينية من أجل الدفاع عن مصالحها، فيجب أن أكون “متوازنة ومنصفة وعادلة” أيضاً بحديثى عن كيفية تعامل واشنطن والغرب مع قضايانا العربية، ومع كل القضايا حول العالم وفقاً لمصالحها، فالصين تقدم مبادرات تنموية لخدمتنا بعيداً عن مبدأ “المشروطية السياسية” الذى تنفذه وتتبعه معنا واشنطن والغرب.

** هناك من كشف أوراق الاستخبارات الصينية وكيف تدعم المشروع الفارسي من داخل الدول العربية التي لديها مركز ثقافية إيرانية كيف تعلقين على ذلك؟

* إسمح لى أن أنقل تجربة شخصية لك، حيث أنه نتيجة لقربى الشديد من المجتمع الأكاديمى والبحثى الصينى، فقد تعالت أصوات بعض الأكاديميين الصينيين بأن (الإسلام الشيعى) الذى تمثله إيران – ربما هو الإسلام المعتدل – الذى يجب أن تبحث عنه الصين دعماً لمصالحها فى الداخل والخارج.

فعلى المستوى الداخلى، فالخبراء الصينيون يرون فى إنتشار الإسلام الشيعى على حساب السنى (داخلياً) حلاً لإشكالية نمو حركة تركستان الشرقية وشباب “الإيغور” فى إقليم “شينغيانغ” المسلم الذين ثبت تجنيد “تنظيم داعش” أكثر من خمس آلاف منهم للقتال إلى جانب صفوفهم فى كلاً من سوريا والعراق. مع تخوف الجانب الصينى من عودتهم مرة أخرى لضرب مصالحها فى الداخل والخارج. فلقد أدرك الخبراء الصينيون – الذين إلتقيت بهم خلال السنوات الماضية – بأنه ثبت لديهم بالدليل القاطع بأن معظم العمليات الإرهابية والمتطرفة يقوم بها مسلمون سنة، لذا فوفق تخيلهم فإن إنتشار الإسلام الشيعى على حساب السنة خاصةً فى الداخل الصينى ربما يخفف من حدة التوتر فى البلاد والمنطقة.

وبشكل عام، فلا تتوافر معلومات حقيقية عن دعم الصين للإسلام الشيعى خارج حدود الصين، خاصةً مع حظر أنشطة معظم مراكز الفكر الإيرانية داخل المنطقة العربية، بإستثناء إيران وفق علمى، وربما بعض الأنشطة “الخفية” لدى بعض الدول العربية ذات التركز الشيعى كالعراق والبحرين والكويت ولبنان كما ذكرت، مع التأكيد بعدم توافر معلومات حقيقية بهذا الشأن إلا بعض التحليلات التى نقوم بها نحن جموع الباحثين المتخصصين فى الشأن السياسى الصينى مع ندرة تخصصنا فى المنطقة العربية كما تعلم.

وعلى المستوى الجيو – إستراتيجى والسياسى، فإنه مع تركيز كل الأطراف على المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا، فإن هناك ظهور خطير لا يستهان به للتنين الصيني في البحر الأبيض المتوسط. ومن المتوقع أن تصبح الصين لاعباً هاماً فى الساحة الأمنية فى الشرق الأوسط وتؤكد بالفعل دورها كوسيط محتمل للنزاع فى المنطقة عقب مشاركتها فى صفقة 5+1 مع إيران ودورها الحالى فى الأزمة السورية.

ونقطة البدء لدى الباحثة، تكمن فى الدور الفريد الذي تلعبه بكين فى التوتر الحالى بين السعودية وايران حول سوريا، بالنظر إلى سجلها الأنظف “الأكثر نظافة” من الأعضاء الدائمين الآخرين فى مجلس الأمن الدولى. وتعتبر الولايات المتحدة مؤيدة لإسرائيل ومؤيدة للسعودية، وروسيا ينظر إليها على أنها تدعم إيران والمسلمين الشيعة في عملياتها العسكرية في سوريا، وأوروبا لديها الحقائب الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى النقيض من ذلك، تتمتع الصين بعلاقات طيبة مع كل من ايران والسعودية – أكبر مورد للنفط الخام للصين- بالإضافة إلى علاقات جيدة مع إسرائيل. وفي الواقع، ساهمت الصين بــــ 1000 من قوات حفظ السلام في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بعد حرب عام 2006 بناءً على طلب إسرائيل، نظراً إلى أن الدولة اليهودية لم تكن تريد قوات عربية وطلبت قوات آسيوية من الصين وكوريا الجنوبية والهند وماليزيا التي اعتبرت أكثر حيادية في الصراع العربي الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بعلاقات بكين السياسية مع طهران، فإن الحسابات الصينية تبدو شديدة التعقيد في خضمّ التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران. فمن ناحية، تمتلك الصين شراكات استراتيجية وثيقة مع طهران، ولها مصالح مباشرة في احتواء الضغوط الدولية المفروضة عليها، كما تشغل إيران مكانة مركزية ضمن مشروع “الحزام والطريق”. وفي المقابل، فإن بكين لديها مصلحة مباشرة في حماية التدفقات النفطية القادمة من منطقة الخليج العربي، وتأمين استثماراتها الضخمة والجاليات الصينية بهذه المنطقة، وتضفي العقوبات الأمريكية على القطاع النفطي الإيراني بُعدًا آخر لمعضلة بكين، خاصةً بعد تجميد الولايات المتحدة لاستثناءات استيراد النفط من إيران الممنوحة لبعض الدول ومن بينها الصين، وتخشى بكين أيضاً من اتهام بعض شركاتها بالتورط في تهريب النفط الإيراني، مما يزيد من حدة الحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين.

** كيف تنظر الصين للهجوم الإرهابي الإيراني على المنشأت النفطية السعودية؟

* لقد تواصلت فعلياً مع خبراء وباحثين صينيين لإستطلاع وجهة نظرهم ورأيهم فى هذا الشأن، فكان التساؤل الرئيسى لدى الجانب الصينى هى السؤال عن كيفية وصول هذه الصواريخ والمُسيّرات الـ 25 إلى أهدافها فى (مجمع بقيق) السعودى الذي يعتبر عصب الصّناعة النفطّة السعودية دون أى رصد أو اعتراض في ظِل وجود رادارات حديثة جداً، ومنظومات صاروخيّة دفاعية (باتريوت) باهظة التكاليف، بل وقواعد أمريكية مجهزة بأحدث المَعدات وعلى بعد بضعة كيلومترات (في البحرين وقطر وغيرهم)، مما يؤكد لدى الصينيين إحتمالية وجود مؤامرة أمريكية تستهدف المنطقة وأمن الملاحة فى منطقة الخليج العربى لترسيخ أقدام الأمريكان والتحكم فى أمن منطقة الخليج العربى والشرق الأوسط بأكمله.

حيث أكد لى الصينيينون تصديقهم لنفى الإيرانيون الرسمى لهذه الإتهامات السعودية والأمريكية خاصةً مع تبنى جماعة “الحوثيون” فى اليمن لهذا الأمر وليس إيران، وفى إعتقادى الشخصى بأن نفى الإيرانيون لهذا الأمر بإرسال رسالة رسمية “توضيحية” إلى الإدارة الأمريكيّة عبر السفارة السويسرية في طهران التي ترعى المصالح الإيرانية والأمريكية، ربما جاء بإيعاز وتشجيع من الجانبين الصينى والروسى، خاصةً أن البيان الإيرانى جاء مرفوقاً بتهديد واضح بأن “الرد سيكون قاسياً وفورياً على أى عدوان محتمل ضدها”، مما يدعم وجهة النظر التحليلية التى تؤكد أن إيران ستجد دعماً صينياً وروسياً كبيراً فى حالة تعرضها لأى ضربة عسكرية محتملة لإحداث التوازن المطلوب فى المنطقة ما بين واشنطن وحلفاؤها من جهة، وروسيا والصين وحلفاؤهما من جهة أخرى.

وتدفع السعودية باتجاه تدويل الهجوم، لكن تدويل الملف تعترضه عقبة في مجلس الأمن، حيث يوجد حليفان لإيران هما روسيا والصين، اللتان تملكان حق النقض (الفيتو)، في حين يبدو الموقف الإماراتي غامضاً وغير واضح بموقفها تجاه الأزمة مع إيران.

** العالم العربي لاسيما دول الخليج بدأت تتجه لآسيا والصين بالذات بعد خداع الغرب والأمريكان لهم هل هذا التوجه بصب في مصلحة دول الخليج العربي في الوقت الذي تدعم الصين ايران لاسيما في مشروعها التوسعي في العالم العربي؟ إلى أين يمكن ان تتجه البوصلة!

* تعتبر العلاقات الصينية مع منطقة الخليج العربي علاقات حديثة العهد نسبياً، ولم تقم بكين علاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي حتى عام 1990 وذلك لأنها خلال سنوات الحرب الباردة اعتبرت منطقة الخليج منطقة بعيدة بالنسبة لمصالحها المباشرة وركزت على تأسيس وبناء علاقات قوية مع دول شمال شرق وجنوب شرق آسيا ولم تبد اهتماما حقيقيا بمسائل الطاقة حتى العام 1993 عندما أصبحت دولة مستوردة لمعظم حاجتها من الطاقة، هذا إضافة إلى الاعتبارات المحلية التي حدت من بناء علاقات في وقت مبكر ومنها خشية دول منطقة الخليج من انتشار الشيوعية ودعم الصين في تلك المرحلة للحركات الثورية والاتجاهات الراديكالية في المنطقة العربية.

كل ذلك تغير الآن وخلال السنوات القليلة الماضية نمت العلاقات الصينية الخليجية بشكل قوي وخاصة في الجوانب الاقتصادية ومع إعلان مبادرة الحزام والطريق الصينية، وإنضمام معظم دول الخليج العربى لها وعلى رأسها السعودية والإمارات. وتعتبر الصين الآن ثامن أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الذي يعتبر بدوره عصب التجارة العربية. ونما حجم التجارة المتبادلة بين الجانبين. ومن هنا، تسعى الصين وكما هو معروف إلى تأمين ما أمكنها من مصادر الطاقة الضرورية لاقتصادها السريع النمو خاصةً من دول الخليج العربى، وتعتبر الصين الآن ثاني أكبر مستهلك للنفط وثالث أكبر مستورد، ويشكل استهلاكها المتزايد نسبة أربعين في المائة من تزايد الاستهلاك العالمي.

وعلى الجانب الآخر، تمثل الصين سوقاً ضخمة ومكانا مثاليا للاستثمارات الخليجية ولا تتحفظ بكين على بعض الأنشطة والاستثمارات العربية كما يحدث في الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر، وحيث انخفض عدد الزوار الخليجيين إلى الولايات المتحدة واتجه الكثير من الزوار والمستثمرين إلى مناطق أخرى بحثا عن الفرص وفي أجواء غير معادية بل ومرحب بها كالصين.

وسياسياً، فإن التقارب الخليجى مع الصين من شأنه أن يؤمن حليف قوى يدعم توجهات الخليج فى مجلس الأمن، كما يبرز دعم الصين للقضايا العربية التى تهم منطقة الخليج ومنها دعم القضية الفلسطينية، يضاف إلى ذلك السياسة الصينية القائمة على عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهى السياسة التى تدعو إليها دول الخليج، كما أبدت الصين من قبل – كمحاولة لإثبات حضورها ووجودها فى منطقة الخليج – أن تلعب دور الوسيط بين دول الخليج وايران فى بعض القضايا الخلافية كمسألة الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى). ويمثل تأييد دول الخليج لسياسة “الصين الواحدة” دعماً لبكين فى تعاطيها مع قضية تايوان .

وعلى الجانب العسكرى، تدعم الصين أنشطتها الاقتصادية والسياسية ببناء مواز لقدراتها العسكرية خاصة قبالة شواطئها وفي المحيط الهندي. ولا تحاول الصين الآن إغضاب الولايات المتحدة أو استفزازها عبر تكثيف حضورها العسكري في منطقة الخليج لكنها تقوم ببناء المزيد من القطع البحرية الضخمة، وتعزز بشكل متواصل طاقاتها العسكرية عند معابر وطرق أنابيب النفط والغاز القادم من الشرق الأوسط؛ وذلك في دول وسط آسيا وإيران وتنصب الجهود الصينية في هذا المجال على الحد ما أمكنها من التقلبات السياسية بما في ذلك الضغوط الغربية.

وتستخدم الإمارات والسعودية الطائرات الصينية بدون طيار فى عملياتها العسكرية ضد الحوثيين فى اليمن، كما شاركت بكين مع دول مجلس التعاون الخليجى فى عمليات مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال.

ومن وقت لآخر تحاول الصين إثبات حضورها سياسياً بشكل أو بآخر فى منطقة الخليج العربى، خاصةً مع دعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ فى نهاية شهر يناير 2019 إلى العودة إلى “الوحدة والوفاق” بين قطر وجميع دول الخليج العربى، وذلك لدى ترحيبه بأمير قطر في بكين وسط الخلافات الشديدة الذي قطعت فيه دول عربية بقيادة السعودية العلاقات مع الدوحة على إثر إتهامها بالتدخل فى الشئون الداخلية لها.

وفي إطار الحزام والطريق، اكتسب التعاون بين الصين ودول الخليج العربى زخما قويا منذ إطلاقها قبل 7 أعوام. فقد وقعت إجمالي 17 دولة عربية على وثائق تعاون مع الصين حول مبادرة الحزام والطريق. وأنشأت الصين حتى الآن شراكات استراتيجية وشراكات استراتيجية شاملة مع 12 دولة عربية. وتغطي المبادرة التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات مثل التجارة والبنية التحتية والطاقة والسياحة والفضاء والعلاقات الثقافية والتبادلات الشعبية. وتتوافق مع الأهداف التنموية للصين ودول الخليج العربى. وتعمل الصين والدول العربية معا لربط المناطق الصناعية في أبوظبي بالإمارات وقناة السويس بمصر وجازان فى السعودية بالموانئ القريبة. ولقد تم تعريف دول مجلس التعاون الخليجي، مراراً وتكراراً، في الخطاب الرسمي الصيني باعتبارهم منطقة عمل هامة.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت مبادرة الحزام والطريق “شعار” رئيسي في سياق العلاقات الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي. ولقد بذلت دول الخليج الجهود لجعل خطط التنمية القومية الخاصة بها تتوافق مع المشروع. إن الرؤية الطامحة للسعودية هي المثال الأبرز على ذلك، إذ أنشأت لجنة تنسيق صينية سعودية عليا، يناط بها تعميق التعاون في مجالات محددة بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق. وكذلك خصصت دول أخرى مناطق تنمية صناعية وتجارية من أجل المشاريع المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق مثل السعودية (جازان) وعمان (الدقم) والكويت (الجزر الخمس).

أما فيما يخص الجانب الآخر من سؤالك تأثير الدور التوسعى الإيرانى على العلاقات بين الصين ودول الخليج العربى، فالإجابة تجدها فى أهم تحليل قرأته فى الفترة الأخيرة – وشاركنى فيه الخبراء الصينيين خلال زيارتى الأخيرة لبكين- للكاتب “شابير كازمى”، والذى نشر فى موقع “أوراسيا ريفيو” والذى تناول فيه ما يراه من أن سياسة واشنطن فى الخليج العربى وإيران تهدف بالأساس إلى تهديد أمن الطاقة للصين من خلال نشر التوترات فى الأماكن التى تعتمد على إستيراد النفط منها.

يقول الكاتب “شابير كازمى” إنه على الرغم من أنه كثيراً ما يرفض نظريات المؤامرة، إلا أنه فى بعض الأحيان يميل إلى تبنيها إذا ساعدت فى الحصول على منظور أفضل. ومن إحدى نظريات المؤامرة النظرية التى تقول إن الولايات المتحدة تخلق اضطرابات فى منطقة الخليج لمنع وصول الصين إلى موارد الطاقة فى المنطقة. وأعتقد أن ذلك هو وجهة نظر الصين الرسمية حيال الوضع المضطرب فى منطقة الخليج العربى ودور الولايات المتحدة بها.

** كيف ترين المحاولات الإخوانية الفاشلة التي تمولها قطر وتنفذها تركيا وإيران لتأجيج الشارع المصري وكيف ترين موقف الصين من هذه الأحداث التي يقودها الإخوان والخونة وادواتهم في الداخل المصري ومحاولة إسقاط الدولة المصرية وجيشها والذي اثبت للعالم انه يحمي الشعب أولا! س8/ الوعي المصري الذي ساد اثناء محاولات عصابات الإخوان تاجيج الشارع المصري الأيام الماضية ماذا يثبت للعالم؟

لقد أدرك المجتمع الدولى فعلياً خطورة الدور الذى تمارسه جماعة الإخوان (الإرهابية)، وحظرها من عدد كبير من الدول، ومن هنا فقد أدركت جماعة “الإخوان المسلمين” ومموليها. وتم توجيه الإتهام بالأدلة إلى التنظيم الدولي للإخوان يتنفيذ أعمال عنف داخل مصر، بهدف إشاعة الفوضى، وإعداد مخطط إرهابي كان من ضمن بنوده تحالف قيادات جماعة الإخوان بمصر مع بعض المنظمات الأجنبية. إن ما حدث خلال الأيام الماضية من محاولات لنشر الفوضى وإثارة الشائعات هو مرتب وممنهج منذ سنوات من جماعة الإخوان الإرهابية، وظهور بعض الشخصيات تتعامل بصورة ممنهجة لتظهر فى توقيتات محددة، هدفه كسر هيبة الدولة والتطاول على الرئيس.

ومن هنا، فقد إستغل تنظيم الإخوان الإرهابى لوسائل الإعلام المختلفة مع إنشاء قنوات خاصة بالإخوان تبث من قطر وتركيا وغيرها، مدركاً أهمية الإعلام ودوره في نشر أفكار الجماعة الإرهابية وخوض معاركها من خلال الشاشة الصغيرة، حتى أنشئت في مصر قناة “مصر 25″، وبعد غلقها كانت قنوات “مكملين” و “الشرق” و “وطن” وغيرها من المحطات التي يتم شراء برامج فيها أو تجنيد إعلاميين فيها في محاولة لإيصال الرسالة الإخوانية والاستفادة بأكبر عدد من الجمهور. لم يكن دور المحطات الفضائية المملوكة للإخوان – بتمويل خارجى مشبوه – مجرد نشر الفكرة بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) عام 2013، وإنما تصفية حسابات مع خصوم الجماعة التي كانت ترى الأنظمة العربية خصومها الحقيقيين، فسعت إلى نشر الإشاعات والأكاذيب عبر منصاتها لتحقيق الهدف المنشود، والأخطر أنها استضافت تجار الدم من التنظيمات كافة لنشر رسالتهم في توأمة إعلامية وتنظيمية كانت ومازالت محل رصد. وقد لا يجد المرء الإخوان يتحركون بالطريقة التقليدية التي كانوا يتحركون بها قديماً، وقد لا يلمح لهم أثراً إلا على الشاشة الصغيرة، فمن خلالها يحاولون تقديم إعلام “ردىء” قائم على الكراهية ولكنه قادر على الانتشار والتأثير. ولعل هذا يفسر ما حدث لجسد الإخوان الذي تحول إلى لسان طويل يتعارك من خلال هذه المحطات.

أما عن رأيى الشخصى، فأنا أعتبر أن أعداء الإخوان المسلمين هم بالدرجة الأولى الإخوان المسلمون أنفسهم. فما دام تفسيرهم للإسلام شمولياً إنغلاقياً توتاليتارياً، فلا يمكنهم أن يحصدوا إلا المفاجآت والخيبات. فالدين حمال أوجه ولا يمكن اختزاله إلى ذلك الفهم المبتسر والقسري والضيق الذي تشكله جماعة “الإخوان” الإرهابية، بل ويحاولون فرضه على المجتمع ككل.

وفيما يتعلق بالشق الثانى من السؤال المتعلق برؤية وموقف الصين تجاه جماعة الإخوان المسلمين (الإرهابية)، فلقد جاء إهتمام الباحثة المصرية منذ فترة بتتبع جميع وسائل الإعلام والصحافة الصينية (الرسمية)، ومعرفة كل ما يصدر منها تجاه حظر جماعة “الإخوان المسلمين” من مصر، ووصفها بالإرهابية. وبحكم قربى الشديد من الصينيين، وحرص الجانب الصينى (الرسمى) على موافاتى (يومياً) بأهم الأخبار والتحليلات بل وأهم إصدرات الكتب العالمية التى يجب أن أقرأها والتى تعكس بالأساس وجهة نظر الصين (الرسمية) تجاه مصر ودول المنطقة والعالم كى أنقلها للجانب المصرى والعربى.

لذا، جاءت تغطية صحيفة “الصين اليومية” China Daily الرسمية الصينية يوم الخميس الموافق 9 مايو 2019، وإفرادها مساحة كاملة لقرار الإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس “ترامب” بحظر جماعة الإخوان المسلمين، وإعتبارها “جماعة إرهابية”، مع تركيز الصحيفة الصينية على تحليل تداعيات القرار الأمريكى على “جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية”. حيث جاء العنوان الرئيسى لصحيفة “الصين اليوم” بعنوان: “وضع الإخوان المسلمين على القائمة السوداء يثير النقاش” Blacklisting Muslim Brotherhood evokes debates

وجاءت مقدمة التغطية الصينية بأن النية المعلنة مؤخراً للرئيس الأمريكى (دونالد ترامب) فى تسمية جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية قد أثارت جدلاً بين اللاعبين الرئيسيين فى الشرق الأوسط. مع تحليل واف للصحيفة الصينية بأنه بعد حوالى ثلاثة أسابيع من زيارة الرئيس المصرى (عبد الفتاح السيسى) إلى واشنطن ومحادثاته مع ترامب، أعلن البيت الأبيض بعدها بفترة وجيزة إن الرئيس الأمريكى يعمل على وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها (منظمة إرهابية). كما حللت الصحيفة الصينية الرسمية ترحيب مصر وحلفاؤها فى منطقة الخليج بخطة الولايات المتحدة، بما فى ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتى دعمت إلى حد كبير طرد الجيش المصرى لرئيس جماعة الإخوان المسلمين السابق محمد مرسى فى يوليو 2013، وفقاً للتعبير الدقيق للصحيفة الصينية.

كما أبرزت صحيفة China Daily الرسمية الصينية الإحتجاجات الجماهيرية ضد حكم الإخوان المسلمين، وإدراج السلطات المصرية المجموعة على القائمة السوداء نزولاً على رغبة الشارع المصرى.

ولكن النهج الجديد – وفقاً لتحليل الباحثة المصرية – هو ربط الصحيفة الصينية الرسمية بين جماعة “الإخوان الإرهابية” وبين “مواجهة مصر لموجة من الأنشطة الإرهابية بسبب أنشطة جماعة الإخوان المحظورة”، والتى أودت بحياة مئات من رجال الشرطة والجنود والمدنيين، بينما قتلت القوات المصرية مئات الإرهابيين وإعتقلت الآلاف من المشتبه بهم فى حرب البلاد ضد الإرهاب التى أعلنها الرئيس “السيسى”.

وأكدت الصحيفة الصينية، أن علاقات القاهرة مع واشنطن قد (تحسنت) فى عهد “ترامب” بعد خلاف خلال فترة الرئيس الأمريكى السابق “باراك أوباما” بسبب دعمه لجماعة الإخوان الإرهابية.

وجاءت تحليلات الصحيفة الصينية الرسمية، بأن “تلك الخطوة المتوقعة من قبل إدارة “ترامب” فى وصفها لجماعة الإخوان بالإرهابية، هى تغيير كبير فى السياسة الأمريكية تجاه المجموعات التى تعاملت معها الحكومة الأمريكية السابقة ككيانات سياسية كالإخوان”، كما أشارت الصحيفة الصينية إلى حالة من “التفاهم الأوثق” بين الولايات المتحدة والحلفاء العرب مثل: مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مما أدى إلى تغيير فى موقف الولايات المتحدة لصالحهم.

والأهم لدى الباحثة فى تلك التغطية الرسمية الصينية للموضوع هو تأكيدها بأنه “إذا تم تنفيذ القرار الأمريكى بإدراج واشنطن الإخوان “جماعة إرهابية”، فسيُعتبر ذلك انتصاراً كبيراً للدبلوماسية المصرية”. مع تأكيد الصحيفة الصينية الرسمية بأن الأمر إستغرق الكثير من الجهود الدبلوماسية لإقناع الديمقراطيين الأمريكيين الذين إعتادوا على رؤية الإخوان كجزء من الحل فى مكافحة الإرهاب.

والجديد أيضاً لدى الباحثة المصرية – المتابعة بدقة لتغطيات الصحف الرسمية الصينية تجاه مصر ودول المنطقة – هو تغير نهج الصحيفة الصينية تجاه كل من (إيران وتركيا) اللاعبين الإقليميين و (إنتقادها لموقفهما المعلن) تجاه خطة الولايات المتحدة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين على أنها منظمة إرهابية، بحجة أن خطوة ترامب ستقوض إستقرار المنطقة وتعزز التطرف.

وفى تحقيق وتحليل عميق منشور بالصينية للباحث الصينى (تشو دونغيانغ ليو تشن) Zhu Dongyang Liu Chen على موقع وكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية Xinhua بتاريخ 1 مايو 2019، بعنوان: لماذا يجب على الولايات المتحدة أن تعطى علامة “حظر” لجماعة الإخوان المسلمين؟ ?美国为什么要给我兄弟一个恐怖标签呢 Měiguó wèishéme yào gěi wǒ xiōngdì yīgè kǒngbù biāoqiān ne?

حيث أكد الباحث الصينى “تشو” بأن الخطوة الأمريكية فى إدراج الإخوان كجماعة “إرهابية” ربما جاءت متأخرة فى واشنطن نتيجة لنظرية “كتم الصوت” خاصةً فيما يتعلق بأى شئ يتعلق بجماعة الإخوان الإرهابية داخل البيت الأبيض. وأشار الباحث الصينى لمحاولات أخرى سابقة تمت فى عام 2017، بشأن محاولات إدراج كلاً من جماعة الإخوان المسلمين والحرس الثورى الإسلامى الإيرانى معاً كمنظمتين إرهابيتين، ولكن نتيجة لسياسات المعارضة داخل البيت الأبيض لهذا القرار فقد تأخر “نسبياً”. كما حلل الباحث الصينى تجاهل إدارة ترامب لموقف العديد من الأحزاب وإعلان “إدارة ترامب” أنها ستدرج الحرس الثورى الإسلامى الإيرانى كمنظمة إرهابية. مع تأكيد الباحث الصينى بأنها هذه هى المرة الأولى التى تدرج فيها الولايات المتحدة القوات المسلحة الوطنية لبلد ما كمنظمة إرهابية.

ويعتقد الباحث الصينى أن الحكومة الأمريكية قد تعرضت لضغط ترامب الإنتخابى عام 2020، لذا، يحتاج ترامب إلى إتخاذ إجراءات عديدة لتعزيز وتوسيع قاعدة الناخبين المعادين للمسلمين، ومن هنا، جاء قراره بإدراج كلاً من الحرس الثورى الإيرانى وجماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية لكسب تأييد قاعدة الناخبين الأمريكيين الكبيرة المعادية للإسلام السياسى.

وفى هذا السياق أكد الباحث الصينى “وو يى هونغ” Wu Yihong كبير الباحثين فى “مركز فكر تشاينا تاى خو” China Taihe Think Tank فى تحليل لوكالة أنباء شينخوا فى 1 مايو 2019 بشأن إدراج واشنطن لجماعة الإخوان كإرهابية “بأن الولايات المتحدة حاولت تحقيق الفوز والإنتصار فى منطقة الشرق الأوسط، وعمل تكتل مع مصر، وتشجيع تشكيل “تحالف إستراتيجى فى الشرق الأوسط” لاحتواء إيران فى المنطقة أمنياً وسياسياً وإقتصادياً.

بالإضافة إلى ذلك – وفقاً لتحليل الباحث “وو يى هونغ” – فإن حكومات تركيا ودول أخرى مؤيدة للإخوان المسلمين بمجرد إدراج الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، ستصبح علاقاتها مع دول مثل تركيا أكثر توتراً، وقد تؤثر على الوضع الإقليمى برمته.

وخلص الباحث “وو يى هونغ” بأن منطقة الشرق الأوسط قد تشتعل إذا ما تم بالفعل إدراج الإخوان كجماعة إرهابية، حيث ساق الباحث “وو” الدليل على ذلك بأن تلك المنظمة المتطرفة (داعش) أو ما يسمى بــ “الدولة الإسلامية فى العراق وسوريا” قد نشرت شريط فيديو يوم 29 أبريل 2019، يشتبه فى أن أكبر قادة المنظمة (أبو بكر البغدادى) ظهر به وهدد بشن مزيد من “إجراءات الانتقام” إذا تم إدراج جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة فى هذا الوقت، حيث سيتم إجبارنا على أن نسلك طريق التطرف، كما أن تهديد الإرهاب الإقليمى سوف يزداد حدة. مع تأكيد الباحث الصينى “وو” فى نهاية تحليله بأن هناك العديد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المنتشرين حول العالم، فضلاً عن العديد من فروع الإخوان لدى دول الشرق الأوسط، لذا، وبالنظر إلى نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، إذا قررت حكومة ترامب أخيراً إدراجها كمنظمة إرهابية وفرض عقوبات عليها، فإن ذلك قد يجلب المزيد من عدم الإستقرار فى المنطقة.

ومن هنا، ووفقاً للعرض السابق بشأن رؤى الصحافة الصينية الرسمية والأكاديميين لجماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية – من وجهة نظر صينية بحتة – يتضح إتفاق نهج الصين “رسمياً” بقيادة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” مع نهج الرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” فى إعتبار الجماعة “إرهابية” ولديها تقاطعات وتشابكات دولية عديدة مع بلدان ومناطق أخرى فى العالم، خاصةً مع تقارير الإعلام الصينى الرسمى بوجود أكثر من خمس آلاف مقاتل إيغورى من إقليم “شينغيانغ” الصينى المسلم، تم تجنيدهم للعمل مع تنظيم داعش – ذات الإمتداد مع جماعة الإخوان المسلمين – وللقيام بعمليات إرهابية لضرب مصالح مصر والصين معاً…. لذا، يتفق النهج الصينى الرسمى مع النهج المصرى الرسمى فى ضرورة إدراج جماعة الإخوان المسلمين كجماعة “إرهابية” محظورة.

** كيف ترين العلاقات السعودية المصرية وكيف يمكن تطويرها شعبيا وزيادة تلاحم الشعبيين؟

* شهدت العلاقات بين الملك سلمان والرئيس السيسي دفعة قوية خاصةً فى النواحى الإقتصادية والإستثمارية، حيث تم توقيع مجموعة من الاتفاقيات، شملت إنشاء صندوق سعودي مصري للاستثمار برأسمال (60) مليار ريال بين صندوق الاستثمارات والكيانات التابعة له والمتفقة معه والحكومة المصرية والكيانات التابعة لها والمتفقة معها، ومذكرة تفاهم صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية ووزارة التعاون الدولي في مصر لإنشاء منطقة اقتصادية حرة في شبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى التوقيع على عدد من الاتفاقيات بين وزارة التعاون الدولي في مصر والصندوق السعودي للتنمية، وهذه الاتفاقيات ضمن برنامج الملك سلمان بن عبد العزيز لتنمية شبة جزيرة سيناء.

وتم تأكيد التضامن المصرى – السعودى من خلال تحالف إسلامي عسكري لمحاربة الإرهاب شمل 42 دولة هو الأقوى في تاريخ أمتنا الحديث، وتم إرسال رسالة إلى العالم عبر مناورات رعد الشمال، نعلن فيها قوتنا في توحدنا، وقد كانت مصر من أوائل الدول المشاركة بفاعلية في هذه التحالفات وهذا التضامن الذي دشن لعصر عربي جديد يكفل لأمتنا العربية هيبتها ومكانتها تحت قيادة مصرية – سعودية.

وأنا شخصياً كأكاديمية مصرية فإننى أدرك أهمية كلاً من “السيسى” و “بن سلمان” للحفاظ على حصن الأمة العربية أمنياً وتوفير الإستقرار لتلك المنطقة، وهذا ما أكده الرئيس “السيسى” صراحةً خلال لقائه لـ “بن سلمان” فى 27 نوفمبر 2018، مؤكداً بأن: “أمن السعودية جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى”.

وتعددت مواقف المملكة السعودية فى الحفاظ على أمن وإستقرار مصر فى عهد “بن سلمان” وتوثيق العلاقات بين البلدين الشقيقين فى عهد “السيسى” و “بن سلمان”، من خلال عدة رؤى ومؤشرات، تضمنت:

تأييد السعودية لثورة 30 يونيو فى مصر: وكرست المملكة العربية السعودية جهودها السياسية خارجياً بفضل جهود وزير خارجيتها الأمير فيصل لحث الحكومات الغربية على الإعتراف بشرعية ثورة 30 يونيو وخارطة الطريق والإستحقاقات الثلاثة، التى تمت بنجاح لتخرج مصر من الفترة الإنتقالية إلى الإستقرار السياسى، ومساندة السعودية للإقتصاد المصرى بعد الثورة. مع تأكيد الأمير “بن سلمان” بأن الإستقرار الأمنى بات يمثل أولوية قصوى لكلاً من مصر والسعودية، وأنه لا قيمة لأى موارد مالية أو إقتصادية بدون أمن وإستقرار فى المنطقة.

تأييد “بن سلمان” لجهود “السيسى” فى مكافحة الإرهاب: ولعل أكثر ما إستوقفنى كأكاديمية مصرية – مهتمة بالشأن الثقافى – فى هذا الشأن هو حضور الرئيس المصرى(عبد الفتاح السيسى)وولى العهد السعودى الأمير (محمد بن سلمان) يوم الإثنين الموافق 5 مارس 2018 عرضاً مسرحياً فى (دار الأوبرا المصرية) بالقاهرة، بعنوان: “سلم نفسك”، حول: (أساليب الجماعات الإرهابية فى خداع الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعى). وتزامن ذلك مع إعلان السعودية “دولياً” تضامنها مع مصر حكومةً وشعباً فى مكافحة الإرهاب، خاصةً مع تصنيف النظام المصرى لجماعة الإخوان المسلمين كـــ “جماعة إرهابية” وحظر السعودية فى عهد الأمير “بن سلمان” لأنشطة جماعة الإخوان الإرهابية على الأراضى السعودية.

قبول الرئيس “السيسى” المشاركة فى التحالف الإسلامى لمحاربة الإرهاب الذى أعلنت السعودية فى عهد الأمير “بن سلمان” عن تشكيله فى ديسمبر 2015: ومشاركة القوات المصرية فى مناورات رعد الشمال التى عقدت فى إطار التحالف الإسلامى فى الفترة من فبراير- مارس 2016.

أن المصالح العربية فى البحر الأحمر تحميها الدولتان المصرية والسعودية بحكم سواحلهما: مع تأكيد الترابط بين الأمن القومى المصرى وأمن السعودية ومنطقة الخليج عموماً. وهذه النقطة بالأساس كانت محوراً هاماً فى خطابات الرئيس (عبد الفتاح السيسى)، منها خطاب تنصيبه فى عام 2014، الذى تضمن (صراحةً) عبارة أن “أمن الخليج العربى هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى”، وحرص “السيسى” خلال لقائه بوفد من الكونجرس الأمريكى برئاسة رئيس لجنة الخدمات العسكرية (هوارد ماكيون) فى 2 سبتمبر 2014، قائلاً: “أن أى ترتيبات فى المنطقة، يتعين أن تأخذ بعين الاعتبار الشواغل الأمنية لمصر ولدول الخليج العربى على حد سواء”.

التنسيق الذى تشهده الدبلوماسياتان المصرية والسعودية فى عهدى “السيسى” و “بن سلمان” فى المحافل الدولية: وسعى الدولتين لحشد الدعم الدولى شرقاً وغرباً من أجل التصدى بحزم لعمليات تهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير المشروعة، فضلاً عن رصد عمليات تمويل المنظمات الإرهابية ونشاط تلك المنظمات حول العالم. مع الإتفاق بين “السيسى” و “بن سلمان” فى التصدى بحزم فى التعامل مع السياسات الخارجية لقطر والتى تدعم من خلالها الجماعات الإرهابية والمتطرفة فى المنطقة.

إنفتاح السعودية فى عهد “بن سلمان” على حركة الثقافة والفن فى مصر: فى ظل إستعداد السعودية لإقامة أول دار أوبرا فى المملكة فى عهد الأمير “بن سلمان” فى مدينة جدة، وفق ما أعلنته هيئة الترفيه السعودية،وهذا يقع فى إطار “النهج المنفتح” للأمير “بن سلمان” عالمياً على مختلف الثقافات والفنون وفقاً لــ “رؤية السعودية 2030”.

إحتضان السعودية فى عهد “بن سلمان” لأكبر جالية مصرية فى الخارج: والتى تصل فى المملكة العربية السعودية إلى أكثر من 2 مليون مصرى. ويعد ذلك أكبر تجمع للمصريين فى الخارج ويليه الولايات المتحدة الأمريكية. مع سماح السلطات السعودية فى عهد الأمير “بن سلمان” بإنشاء (صندوق رعاية المصريين بالمملكة العربية السعودية)، بإعتبارها تجربة رائدة لوعاء تعاونى كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدنى “الأهلى” تحترمه السعودية فى عهد “بن سلمان”، بما يقدمه من خدمات لأبناء الجالية المصرية فى السعودية الشقيقة قانونياً، إجتماعياً، مهنياً، إنسانياً، تعليمياً، قنصلياً. وهذا يعد دلالة على أهمية العمالة المصرية للمملكة العربية السعودية فى ظل عهد “بن سلمان”.

التنسيق والتعاون العسكرى والدفاعى بين “بن سلمان” و “السيسى”: وتعاونهما سوياً لتطوير القدرات العسكرية والدفاعية للبدين، من خلال التدريبات المشتركة، مثل: درع الخليج، النجم الساطع، تبوك 4، النسر”. هذا التعاون ظهر جلياً فى مواجهة التحديات والتغيرات الإقليمية والدولية. ويأتى تنفيذ المرحلة الرئيسية من المناورة البحرية “مرجان 15” فى 14 فبراير 2015، تعزيزاً لعلاقات الشراكة الإستراتيجية والتعاون العسكرى بين مصر والسعودية الشقيقة، لإرساء دعائم الأمن والإستقرار بالمنطقة.

السعودية فى عهد “بن سلمان” هى الدولة العربية الأولى فى الإستثمار فى مصر: حيث بلغ حجم الإستثمارات السعودية فى مصر حوالى 54 مليار دولار، بينها إستثمارات حكومية إضافة إلى إستثمارات شركات القطاع الخاص السعودى. وحرصاً من قيادة البلدين على زيادة الإستثمارات المتنوعة فى الجانبين، فقد حرصت وزارتا التجارة السعودية والمصرية فى نوفمبر 2018، على تشكيل لجنة مشتركة من رجال الأعمال بالبلدين لبحث إزالة المعوقات التى تواجه المستثمرين السعوديين فى مصر.

رفض “بن سلمان” و “السيسى” نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة: خاصة أن الجهود الدبلوماسية فى كلا البلدين كان لها دور مهم في تحفيز إصدار القرار الأممى القاضى، برفض نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس.

هناك تشابهاً فى مواقف مصر والسعودية فى عهدى “السيسى” و “بن سلمان” تجاه القضية الفلسطينية بإعتبارها “قضية الأمة”: يعمل البلدان على توحيد الصفوف الفلسطينية وإنهاء الإنقسام بين حركة فتح وبعض الفصائل الفلسطينية الأخرى، ودعم جهود السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس “أبو مازن”، وكذلك دعم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينية (أنروا).
ومن هنا يتضح، أن مصر فى عهد الرئيس “السيسى” والسعودية فى عهد الأمير “محمد بن سلمان” لا يمكنهما الإستغناء عن تعاون الطرف الآخر الأساسى ودعمه، لا سيّما في ظلّ سلسلة التحديات الأمنية المحلية والإقليمية غير المسبوقة التى تواجهها الدول العربية.