” أبطال الصوفية ” الجزء الأول

الصوفية تقارير مقالات

 

 

بقلم / كريم الرفاعي

مقالتي اليوم تتكلم عن ابطال التصوف الإسلامي و هي ليست مقالة واحدة و لكن ستكون سلسلة من المقاﻻت التي تظهر دور الصوفية في حماية مصر و شعبها و نصرة الإسلام و المسلمين ضد كل غاصب و معتدي علي أرض مصر الحبيبة .
الشيخ حسن القصبي

هو الشهير بأبي حامد الأزهري الخلوتي‏,‏ ويتسلسل نسبه إلي الإمام الحسن ابن الإمام علي كرم الله وجهه‏,‏
وهو حفيد السيد عيسي طلحة أول من حضر إلي مصر من طرابلس بالمغرب حيث توطن أجداده منذ عصر الشريف السيد إدريس, وهو من كبار علماء الأزهر, وقد أخذ العهد علي الطريقة الخلوتية من الشيخ عبد الله الشرقاوي, إذ كانت الخلوتية منتشرة بين العلماء, لأنها كما يقول الجبرتي أكثر الطرق موافقة للكتاب والسنة, ولعدم تكليفها الإنسان بما لا يطيق.
ومع هذه المشاركة الدينية والصوفية, فقد كانت هناك مشاركة سياسية, إذ كانت البلاد تعاني من الحملة الفرنسية, فرفع راية الجهاد مع شيخه عبدالله الشرقاوي للتصدي للعدوان والمشاركة مع أبناء الوطن للدفاع عن البلاد, ولما شاع بين الناس مجاهدة الشيخ أبي حامد الصوفية وعرف عنه الصلاح والتقوي, توجه إليه وفد من أهالي نشا بمحافظة الدقهلية .
حيث أستقدموه إليهم تبركا به والتماسا لما عنده من العلم بالطريقة الخلوتية التي أضفي عليها من شخصيته حتي صارت فيما بعد منسوبة إليه وعرفت بالطريقة القصبية .

محمد ماضي أبو العزائم (1286 هـ/1869 م – 1356 هـ/1937 م)
بدا لأبي العزائم أن العالم العربي والإِسلامي، قد تعرض من جديد لحرب صليبية تستهدف كيانه القومي وعقائده الدينية، فوقف مناديا بالجهاد تحت لواء الخلافة الإسلامية، فأقصاه الحاكم الإِنجليزي عن وظيفته في 1/8/1915 م لتحذيره المسلمين من الوقوع في حبائل الاستعمار، فاستقبل أمر الإِقصاء بصدر رحب، لأنه كان يجاهد في سبيل الله.
عاد أبو العزائم إلى الوطن عالما لا يضن بعلمه على من هو في حاجة إليه، فهو معلم سجيته أن يعلم، وعلمه متاح لا لمن يسعى إلى طلبه فحسب بل إنه كان يسعى هو إلى من يتوسم أنهم في حاجة إليه، فكانت ساعاته موزعة بالقسطاس بين من يفدون إليه في مقره طلبا لعلمه وبين السعي في زيارات- حتى للمواقع النائية، إلى من يرى ببصيرته أنهم في حاجة إلى هذا العلم. فصار مقره في القاهرة كعبة يقصدهاطلاب العلم، كما صارت النوادي الثقافية والمنتديات العلمية في كل مدن مصر والمساجد في كل مدينة أو قرية مزارا لـه تتضوع فيها أفكاره وعلومه، ومن ثم أصبح النشاط العزمي في مصر امتدادا للنشاط العزمي في السودان.
أمضى الفترة ما بين عامي 1915- 1917م بالمطاهرة بمحافظة المنيا.

وبمجرد وصول أبي العزائم إلى “المنيا” تحولت بلدة “المطاهرة” وما حولها إلى مدارس للإمام خرجت أعلام الوطنيين وأئمة المجاهدين الذين بدأت بهم الثورة الوطنية عام 1919م.
ومع أن إقامة أبي العزائم كانت محددة في منزله بالمطاهرة إلا أنه كان يتجول في القرى والبلاد المجاورة وذلك عن طريق وساطة محبيه، فقد توسط رئيس الوزراء – وكان محبا وتلميذا للإمام منذ فترة طويلة- في تيسير انتشار أبو العزائم في دائرة أوسع وهذا مما سيتيح فرصة أكبر للسلطة الإنجليزية بالبلاد
في معرفة حركات ومخصصات ونوايا أبو العزائم!! فوجد هذا الرأي استحسانا كبيرا.

أبو العزائم يجتمع برجال ثورة 1919م.

كان أبو العزائم من ذوي النفوس الكبار، ومن شأن كبار النفوس هؤلاء أنهم يستعذبون الآلام لتحقيق الآمال، وقليل ما هم، ولكنهم وحدهم الذين دفعوا بالإنسانية قفزات إلى الأمام في طريق التطور إلى الحياة الأفضل
وكان لأبي العزائم دور كبير في ثورة 1919 م فمطابعه التي كانت تطبع مؤلفاته العلمية حولها لطبع المنشورات ضد الاحتلال الإنجليزي لجمعية اليد السوداء التي كان يتعقبها الإنجليز في كل مكان، واعتقل أبو العزائم وابنه الأكبر السيدأحمد ماضي أبو العزائم أكثر من مرة .

كما وقف من جميع حكام مصر وزعمائها، موقف المعارض كلما لانت قناتهم لمفاوضة المستعمر الغاصب، فكان يوجه النصح في مجلاته وكتبه وفي الصحف لسعد زغلول ولغيره من زعماءالأحزاب، ليصرفهم عن مهادنة الإنجليز،
دعوته ويردد عنه أفكاره ومبادئه فأصبح خليفته الأولمبينا لهم مغبة مساومة المستعمر على حقوق الأمة .

و من البديهي أن يستنتج القارئ أن الاستعمار البريطاني في مصر كانت مناهضته هدفا استراتيجيا للإمام أبي العزائم كما كان الحال في السودان، أعيا الإنجليز أمره في السودان وفكروا في الخلاص منه، فكان جذوة تركها بين أبنائه الناشئين في ذلك القطر الشقيق، وجاء مصر فألهبها غيرة وحماسة في التفكير للخلاص من هذا الداء الوبيل والكابوس الثقيل حتى قامت الثورة فكان سعد زغلول علمها الظاهر وكان الإمام أبو العزائم هو المحرك لأفراد الأمة إلى هذا العمل الباهر.
ومع تضافر الجهود الوطنية في مصر ضد الاحتلال قامت ثورة 1919م، وكان أبو العزائم من أوائل الذين قبضت عليهم السلطات البريطانية وأودع السجن في محاولة منها لوأد هذه الثورة في مهدها، وكان معه ولده الأكبر السيد أحمد محمد ماضي أبو العزائم الذي كان ملازما لوالده ملازمة كاملة، ليس لـه طلب في الدنيا إلا أن يشارك أباه نضاله ويشد أزره وينظم
لـه برامج تنقلاته ويرعى شئونه الشخصية وينشربعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

ومن كانت طبيعته العطاء فإن عطاءه لا يتوقف، ولذلك كان أبو العزائم في السجن كما كان خارجه كالبحر الهادر، فلم يلبث إلا أن صار مجتمع السجن كله- مساجين وحراسا وضباطا- من أتباعه والمتحمسين لدعوته ومبادئه. وانتقلت أنباء النشاط العزمي إلى مسامع طغاة الاحتلال البريطاني، فذهب أحد طواغيتهم ليتحقق من واقع الأمور بنفسه، وكان هذا الطاغوت هو “رَسِل” باشا الذي كان يشغل حكمدار القاهرة ولكن نفوذه وسلطاته الغاشمة تتعدى حدود منصبه إلى جميع أنحاء القطر المصري بسائر مدنه ودساكره وقراه. فماذا رأي رسل باشا؟ لقد وصل إلى السجن وقت صلاة الظهر، فرأى أن جميع المسجونين ومعهم جميع جنود الحراسة بالسجن ومن بينهم ضباطهم قد اكتظ بهم الفناء الأكبر للسجن صفوفا يؤدون الصلاة خلف الإمام أبي العزائم الذي ختم الصلاة وانبرى إلى المأمومين يدعو بأن يخلص الله الوطن من الاستعمار
اللعين وأعوانه، والمصلون من خلفه يؤمنون.

وكان صوت أبو العزائم يهدر بالدعاء عميقا جهوريا، وصوت المصلين بالتأمين يعلو ليصل إلى عنان السماء قويا راسخا ثابتا، مما جعل رسل باشا يرتعب وترتعد فرائصه مما أدى به إلى أن يكتشف أن هذا أبو العزائم في سجنه يشكل خطورة أكبر من خطورته خارجه، فنفاه من السجن بأن أمر بالإفراج عنه مع ابنه فورا.

قام بإصدار مجلة الفاتح من عام 1915م حتى 1920م.
وأمام هذه المسئولية الجديدة للإمام، طلب الأحباب أيضا نقل أبو العزائم للإقامة في القاهرة عاصمة مصر. وفعلا تمت الإقامة الجديدة، وكان منزله تحت الرقابة الشديدة من قبل الإنجليز ورجال السلطة المصرية.

وكان أبو العزائم إذا عمل احتفالا دينيا لمناسبة معينة تتطلب تجمعات بشرية، فقد كانت القوات البريطانية تقوم بالتفتيش المستمر في هذا اليوم لجميع أنحاء المنزل بحثا عن وجود أسلحة أو منشورات أو أشخاص مشتبه فيهم أو خلافه.
وكان منزله بمصر كعبة وفود الأمم الإسلامية من مختلف الأجناس، ومحط أنظار سفراء الممالك الإسلامية وعظماء مصر ممن لم يحجبهم حجاب المعاصرة والمجانسة، فكان – ولا تأخذه في الحق لومة لائم- يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أيا من كان.

في عام 1920 م أسس مجلة (المدينة المنورة)

واستمرت لسنوات طوال -بعد انتقاله إلى جوار ربه- حاملة لواء العلم الصحيح.
بعد أن قررت الجمعية الوطنية بأنقرة في 2/ 3/ 1924 م إبعاد الخليفة عن تركيا، وتخليه عن الخلافة، ونظرا لتعدد أدعياء الخلافة فقد دعا أبو العزائم إلى عقد مؤتمر عام بمكة سنة 1926 م تمثل فيه جميع الشعوب الإسلامية لعودة الخلافة، الأمر الذي أغضب الملك فؤاد، فجند جنوده وأنشأ جماعة أخرى للخلافة الإسلامية، وبذلك أصبحت هناك هيئتان للخلافة الإسلامية، إحداهما حكومية يرعاها الملك فؤاد، والأخرى شعبية برئاسة أبي العزائم, وعندئذ أعلن بأن مصر دولة محتلة، وحكامها قد تربوا في أحضان الأجانب، ودانوا بفكرتهم، ومن ثم فلا يكون لهذا البلد في ظل الاستعمار, وفي ظل هذه الشرذمة من الحكام، أن يتصدر ملكها عرش الخلافة الإسلامية .