تمر هذه الأيام 60 سنة على استشهاد واحد من أكبر قادة و مفجري الثورة الجزائرية, العربي بن مهيدي,

غير مصنف

الكاتبة و الباحثة الجزائرية يمينة زرينيز

 

 

الرجل الذي لا يزال يسيل الكثير من حبر أقلام التأريخ و الصحافة و الأدب بين ضفتي المتوسط, في الأوساط الأكاديمية و الأدبية و حتى السياسية, لما يمثله هذا الرجل من رمزية استثنائية في تاريخ الحركات التحررية في العالم, و الذي أجمع كل من عرفوه سواء من الأصدقاء أو الأعداء, على تفرد شخصيته و توجهاته و الكيفية التي سخَّر بها حياته منذ مرحلة المراهقة و إلى غاية إعدامه في خدمة القضية الجزائرية, حيث التصق تاريخه الشخصي بتاريخ الثورة, إلى درجة صار فيها الفصل بينهما مستحيلا.وُلد محمد العربي بن مهيدي عام 1923 بمنطقة الكواهي الريفية بناحية عين مليلة التابعة لولاية أم البواقي بالشرق الجزائري, وسط عائلة متمسكة بهويتها الثقافية و الدينية. دخل المدرسة الابتدائية بمسقط رأسه قبل أن ينتقل إلى ولاية باتنة لمواصلة تعليمه الابتدائي, قبل أن يعود إلى أسرته و ينتقل إلى مدينة بِسْكرة بالجنوب الشرقي الجزائري, التي أتم فيها تعليمه هناك حيث انضم إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1942, و هي المرحلة التي التقى فيها برفيق دربه, المجاهد و المناضل الكبير عبد الكريم حساني سنة 1944 عندما كان بن مهيدي قائدا لفوج الكشافة الإسلامية لمدينة بسكرة. و إلى جانب شغفه بالفنون و المسرح و السينما و الموسيقى الأندلسية, كان بن مهيدي رياضيا محبوبا من طرف الجميع, و سبب حب الأهالي له هو الأهداف الكثيرة التي كان يسجلها في مرمى الفرق الفرنسية, عندما كان لاعبا في صفوف فريق الإتحاد الرياضي الإسلامي لبِسكرة, الذي أنشأته الحركة الوطنية.تم اعتقال العربي بن مهيدي خلال مسيرات مايو 1945 السلمية الشهيرة, التي اعتبرت حينها – كما هو الشأن مع معظم أبطال الثورة الجزائرية – أولى تجاربه النضالية المؤثرة, بعد الرد الجهنمي الفرنسي عليها. و سنه لا يتجاوز 23 عاما, تم الزج ببن مهيدي في أحد الأقبية رفقة جماعة من السكيرين و المجرمين حسب شهادة المرحوم حساني, الذي أكد أن بن مهيدي كان قد تقدم تلك المسيرات التي تحولت إلى مظاهرات.بعد أهوال مظاهرات مايو 45 التي خلفت أكثر من أربعين ألف قتيل جزائري, و مثلهم من السجناء, تقرر إنشاء المنظمة الخاصة ( أو- أس ) عام 1947 كأول تنظيم سري جزائري ذو طابع شبه عسكري, الهدف منه التحضير لاندلاع العمل المسلح من أجل تحرير الجزائر باستخدام نهج العنف الثوري, بعد الفشل الفاضح للنضال السلمي و السياسي في تحقيق مطالب الجزائريين. و قد كان العربي بن مهيدي من أوائل الشباب الذين التحقوا بهذا التنظيم. و طيلة سبع سنوات من التحضير السري للثورة, تدرج بن مهيدي في صفوف المنظمة الخاصة من مسؤول الجناح العسكري بمنطقة سْطيف عام 1949 و نائب رئيس أركان التنظيم بالشرق الجزائري ” محمد بوضياف ” آنذاك, إلى المسؤول الأول عن التنظيم عن نفس المنطقة عام 1950, قبل أن يختفي عن الأنظار بعد اكتشاف السلطات الاستعمارية لأعضاء المنظمة و تفكيكها, فيما عُرف بأزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية بين 1950 و1953 , حيث تم تعيين بن مهيدي في تلك الفترة الحساسة كمسؤول الدائرة الحزبية في ناحية وهران بالغرب الجزائري.كل تلك المسؤوليات التي تقلدها الشهيد جعلت منه اسما بارزا يتداول بين ألسن المناضلين, و حين تكوين اللجنة الثورية للوحدة و العمل في مارس 1954, كان بن مهيدي ضمن الشخصيات البارزة التي حضَرت الاجتماع السري لمجموعة الـ 22 الكبار بالعاصمة الجزائرية صائفة 54, و الذي خرجت منه مجموعة الـستة التاريخية, بضمها خيرة الشباب الوطنيين الذين تحولوا إلى الآباء المفجرين للثورة الجزائرية ميدانيا و هم: مصطفى بن بولعيد, محمد بوضياف, رابح بِطاط, مراد ديدوش, كريم بلقاسم, و طبعا العربي بن مهيدي, الذي أسندت إليه قيادة الولاية التاريخية الخامسة ( الغرب الجزائري ). حيث اجتمع الستة الكبار شهر أكتوبر 54 بعد إتمام الاستعدادات العسكرية في كل مناطق الوطن, محددين تاريخ و ساعة انطلاق الثورة و محولين اسم اللجنة الثورية للوحدة و العمل إلى جبهة و جيش التحرير الوطنيين.بعد الانطلاقة المفاجئة و المزلزلة للثورة الجزائرية, و في أشهرها الأولى, بذل بن مهيدي جهودا جبارة من أجل الحفاظ على استمرارية العمل المسلح, خاصة في مرحلته الأولى, ذلك أنه كان يدرك أن أخطر ما يهدد الثورة هو خمود حماسها في نفوس جنود جيش التحرير و حتى في الشارع الجزائري الذي كان لا يزال منقسما و مترددا بشأن هذه الحرب, التي أطلقت عليها السلطات الاستعمارية عن طريق إعلامها و دعايتها اسم ” الأحداث المعزولة “. لذلك عُقد مؤتمر الصومام في 20-08-1956 بجبال ولاية بِجاية, و الذي كان يهدف إلى إعادة هيكلة جهاز الثورة بعد النجاح في تفجيرها, بشكل يضمن لها أن تكون أكثر فعالية و شمولية, و أن لا تقتصر فقط على الجوانب العسكرية, بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و تفعيل الكفاح السياسي على ضوء الكفاح المسلح, حيث كان بن مهيدي من الوجوه البارزة التي حضرت المؤتمر. و رغم الخلافات الكبيرة التي شابت الاجتماعات بين كبار القادة, و التي تحولت فيما بعد إلى أحد أسباب الصراعات الداخلية بينهم ( الصراع بين السياسي و العسكري ), أنتج المؤتمر أجهزة كلجنة التنسيق و المتابعة و المجلس الوطني للثورة, التي رأى فيها البعض أنها زادت من توسع لهيب الثورة و فعاليتها, بينما رأى فيها البعض الآخر خروجا بالثورة عن خطها الأساسي. بالرغم من ذلك, فإن بن مهيدي ظل مركزا على مسئولياته و واجباته كقائد عسكري. في 1956 وقعت عملية القرصنة الجوية الشهيرة, التي قام بها سلاح الجو الفرنسي للطائرة التي كانت تقل الزعماء السياسيين الكبار في لجنة التنسيق و المتابعة, الذين كانوا في طريقهم من المغرب إلى تونس, و هو ربما الحدث الأبرز في السيرة القيادية لبن مهيدي. فإعلان السلطات الاستعمارية إلقاءها القبض على رؤوس جبهة التحرير و على رأسهم المناضل الكبير ” أحمد بن بِلّة “, و زجها بهم في السجن, كان يوحي بأن الثورة – في شقها السياسي و الدبلوماسي على الأقل – قد دخلت نفقا مسدودا. و هو ما كان يعني من ناحية أخرى, أن بن مهيدي و بفعل ترتيبه القيادي في جبهة التحرير و رتبته العسكرية في جيشها كعقيد, كان قد صار عمليا المسئول العسكري الأول للثورة مع أربعة من رفقائه في لجنة التنسيق و التنفيذ, و من ثم الرأس الأخطر الذي لا يزال طليقا بالنسبة لباريس.
آنذاك, كان الرجل قد تنقل إلى الجزائر العاصمة – حسب شهادة الفدائي الكبير ” ياسف سعدي” ( لا يزال على قيد الحياة ) – للتحقيق في التفجيرات التي كانت تهز العاصمة, قبل أن يتأكد من أنها ليست من تنفيذ الحزب الشيوعي الجزائري, الذي كان يومها في صراع مع الحكومة الفرنسية من جهة, و جبهة التحرير الوطني من جهة أخرى.يتبع

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏‏أشخاص يقفون‏ و‏نص‏‏‏‏